بقلم : محمد صالح عوض .. معالم الأمل ومظاهره في هجرة النبي

0 0

معالم الأمل ومظاهره في هجرة النبي

دنيا ودين .. دكتور .. محمد صالح عوض.

الدكتور محمد عوض
الدكتور محمد عوض

الهجرة النبوية الشريفة .. تسائل البعض مستغربًا ومندهشًا عن ذلك الأمل الذي تعلق به النبي ﷺ في هجرته إلى المدينة، وكيف لنبي مطارد في صحراء جرداء، تُصهر حرارتها الجبال، وتُصفر فيها الرياح، وتعوى فيها السباع الضواري، والأفاعِي العوادي، كيف لهذا النبي ﷺ كل هذا الأمل؟!

 

فكان هذا المقال الذي بين يدي القارئ الكريم، يُجلي ويوضح مظاهر ومعالم ذلك الأمل الذي خطه النبي ﷺ في طريق هجرته ودعوته، وتمثله في حله وترحاله، وفي غدوه ورواحه، وفي ليله ونهاره، وفي سلمه وحربه، على مدار ثلاثة وعشرين عامًا مدة دعوته ورسالته، لم يغب الأمل في نصر الله والفتح عن عين النبي ﷺ طرفة عين.

وكيف لا يكون الأمل بادًيا، واضحًا جليًا بطول السماء وعرض الأرض أمام النبي ﷺ ، وقد عاين ماعاين في السموات العلا، في رحلة المعراج، وقبلها في الإسراء حيث طُويت له الأرض طيًا؟

 

كيف لا يحدوه الأمل وهو يخرج من أمام صناديد قريش، بعد أن تجمعوا بقضهم وقديدهم لقتله، وإنهاء أمر دعوته ورسالته بضربة سيف؛ فيمر أمامهم، ويخرج من بينهم، يصحبه عون الله ورعايته، وقد أغشى الله أبصارهم: (فأغشيناهم فهم لا يبصرون)، وحثَى ﷺ على وجوههم التراب، فآب كيدهم إلى بوار: ﴿…وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [﴿ غافر ﴾: 25].

 

اقرا ايضا : دكتور : محمد صالح عوض : وتلك الأيام نداولها بين الناس

من مظاهر الأمل في الهجرة : دع طموحك يتجاوز حدود العالم ، بل يتجاوز حدود البشر أجمع، تضيق بك الحياة إلى حد اليأس فيرسل الله لك رحمة منه وفرجًا، لم يخطر على بال، ولم يكن يومًا في الحسبان.

فمهما بلغ مكرُ الباطل وأهله، والكفر وحزبه؛ فلن يستطيعوا محاصرةَ الحقِّ أو إطفاءَ جذوته، فإنَّ مكرَ الله من ورائهم، وهو محيطٌ بهم.
{ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين}.

 

والصورة التي يرسمها قوله تعالى: {ويمكرون ويمكر الله}.صورة عميقة التأثير؛ ذلك حين تتراءى للخيال
ندوة قريش، وهم يتآمرون ويتذاكرون ويدبرون

 

ويمكرون، والله من ورائهم، محيط، يمكر بهم ويبطل كيدهم وهم لا يشعرون! إنها صورة ساخرة، وهي في الوقت ذاته صورة مفزعة.
فأين هؤلاء البشر الضعاف المهازيل، من تلك القدرة القادرة.

قدرة الله الجبار، القاهر فوق عباده، الغالب على أمره، وهو بكل شيء محيط؟

 

{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}.
-إنما يرتفع المرء على أكتاف حساده، يريدون أن يسقطوه ويريد الله أن يرفعه بهم “ويمكرون ويمكر الله”.

كيف لا يحدوه الأمل وقد وصل في معراجه إلى السموات العلا، وظل يترقى في الوصول حتى وصل
لمكان سمع فيه صريف الأقلام؟

كيف لايحدوه الأمل و(لقد رأي من آيات ربه الكبرى)؟

 

كيف لا يحدوه الأمل وحسبه في رحلة الإسراء والمعراج أن روح القدس في رفقته، وصفوة الخلق في استقباله، وأن الأرض تطوى من تحته، وأن السماء تتفتح من فوقه، وأن الكون يسهر من أجله، وأن القوانين تعطل له، وأن الزمان يتداخل له، ويتحول الزمان إلى لحظات، واللحظات تتسع لآيات وآيات: آيات الأرض، وآيات السماء، آيات التشريع للدين، والتخطيط للدنيا.

 

كيف لا يحدوه الأمل وقد طلبه الباري إلى رحابه في ضيافة غير مسبوقة، وسياحة غير ملحوقة، وحيث لا يرقى إليه غيره، ويحتفي به ليكون الضيف الوحيد في حضرة قدسه على مستوى الخلق طرًا، وعلى صعيد الخلق جميعًا، وعلى امتداد الأزل والأبد معًا!

 


الهجرة النبوية الشريفة : كيف لا يحدوه الأمل، وهذا جبريل أمين وحي السماء يردفه  خلفه في رحلة لم ولن تتح لأحد من قبله، ولامن بعده؟
كيف لا يحدوه الأمل وصفوة الخلق من خيرة الخلق أنبياء ورسله في شرف استقباله؟

 

كيف لا يحدوه الأمل وقد أمَّ أنبياء الله ورسله، وتقدمهم قاطبةً في موكب مهيب، ومشهد من عالم الغيب عجيب؟
كيف لا يحدوه الأمل وقد رحَّب ملائكة السموات العلا، يحدوهم الشوق إلى عروجه وصعوده ومروره  أمامهم، كيف لا وهو خاتم رسل الله؟!

 

كيف لا يحدوه الأمل وقد افتر ثغر أبينا آدم حين رآه فرحب به، قائلًا له : أهلًا بالإبن الصالح، والنبي الصالح؟
كيف لا يحدوه الأمل وقد قال: ” لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا : سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ “.

 

كيف لا يحدوه الأمل وقد رأي واحدًا من صحابته يقتفي أثره في الجنة(بلال بن رباح رضي الله عنه)؟

كيف لا يحدوه الأمل وقد فرض عليه الصلاة، هدية السماء ليلة المعراج؟

 

كيف لا يحدوه الأمل وقد قال الله له: (ورفعنا لك ذكرك).. يعقبها ويتلوها مباشرة دون إبطاء أو إمهال: (فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا) بالتأكيد والتكرار؛ فمهما اشتد ظلام الليل لابد من طلوع النهار.

كيف لايحدوه الأمل وقد رأى الجنة، وأهلها رأي عين، ورأى النار وأهلها رأي عين؟

 

كيف لايحدوه الأمل وقد وصل إلى سدرة المنتهى، حيث لا ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا وصل هذا المكان قبله؟!

 

كيف لا يحدوه الأمل وقد قال الله له: سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك؟

 

كيف لا يحدوه الأمل وهو يقول: (وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ “؟

كيف لا يحدوه الأمل وقد قال: (إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ ؛ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ)؟

 

كيف لا يحدوه الأمل والمآذن في كل آن وزمان، وعلى مر الأيام تصدح بالشهادة له بالرسالة والنبوة، مقرونة بذكر الله؟

 

كيف لا يحدوه الأمل وأمته أكثر أهل الجنة؟

 

كيف لايحدوه الأمل وقد أطلعه ربه ومولاه على ما هو كائن في خلق الله، ودنيا الناس إلى يوم القيامة؟

 

كيف لايحدوه الأمل وهو يبشر أمته برؤية الله تعالى؛ حيث يقول: (” إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ..)؟

 

كيف لا يحدوه الأمل وقد سلَّم الله عليه في عليائه، وردّ على ربه الكريم السلام، ودار حوار بين الخالق والمخلوق في بادرة لم تتح إلا لكليم الله موسى عليه السلام، والفرق بينهما أن هذه في السموات العلا، وتلك في الوادى المقدس طوى!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.