فروض الجمارك الأمريكية من قبل ترامب تحاصر وزراء خارجية الناتو في بروكسل
كتب | محمد عبد الله
في اجتماع عُقد في بروكسل، واجه وزراء خارجية دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) تحديات كبيرة جراء فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعريفات جمركية جديدة على واردات الاتحاد الأوروبي، مما أثار مخاوف من تصاعد التوترات التجارية بين الحلفاء.
وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، دافع عن هذه التعريفات، مؤكدًا أنها تهدف إلى تحقيق تجارة أكثر توازنًا، وأعرب عن ثقته في أن الأسواق ستتكيف مع هذه السياسات.
من جانبها، أعربت المملكة المتحدة عن أسفها لما وصفته بـ”العودة إلى الحمائية”، مشيرة إلى أن هذه الخطوات قد تؤدي إلى حرب تجارية عالمية.
في الوقت نفسه، أكدت كل من أوروبا وكندا استعدادهما لزيادة الإنفاق الدفاعي، لكنهما أبدتا تحفظات بشأن مطالب الولايات المتحدة بزيادة هذا الإنفاق إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، معتبرين أن هذا الهدف يتجاوز بكثير الهدف الحالي للناتو البالغ 2%.
هذه التطورات تعكس توترات متزايدة داخل الحلف، حيث تتداخل القضايا التجارية مع الشؤون الدفاعية، مما يضع ضغوطًا إضافية على العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو.
وبدأت اجتماعات الناتو في اليوم التالي لإعلان الرئيس دونالد ترمب عن قائمة الجمارك الجديدة التي بينت اتساع الفجوات بين إدارته والحلفاء الأساسيين، خاصة في القارة الأوروبية.
وحاول وزير الخارجية الأميركـية ماركو روبيو، الذي شارك في اجتماعات وزراء خارجية دول الحلف وعددهم 32 وزيراً، طمأنة الحلفاء بتأكيده أن الولايات المتحدة لن تخرج من هذا الحلف، إلا أن المسار الذي اتبعته هذه الإدارة منذ وصولها إلى الحكم يثير الكثير من القلق لدى دول القارة التي اعتمدت بدرجة كبيرة على مظلة الحماية الأميركـية خلال الحرب الباردة وبعدها.
وظهرت في الجلسات الخاصة، التي عقدها مسؤولو الحلف، تساؤلات صعبة بشأن مستقبل الدور الأميركـي في الحلف الذي ظل مركزيًا منذ تأسيسه عقب الحرب العالمية الثانية حتى اليوم، مثل: ما موقف الحلف في حال نفذت الإدارة الأميركية تهديدات ترمب ونائبه واحتلت جزيرة جرينلاند الدنماركية،
خاصة أن الطرفين عضوان في الحلف؟ وماذا لو استولت روسيا على أجزاء من أراضي دولة عضو في الناتو مثل ليتوانيا؟ هل ستلتزم الإدارة الأميركـية بالمادة الخامسة من ميثاق الحلف، والتي تنص على أن أي اعتداء على أية دولة عضو في الحلف يشكل اعتداء على جميع الدول الأعضاء؟ أم ستتخذ موقفاً شبيهاً بموقفها من الحرب الروسية في أوكرانيا؟
وأثار موقف إدارة الرئيس الأميركـي دونالد ترمب من الحرب الروسية الأوكرانية قلقاً كبيراً بين أعضاء الحلف من سيناريو تتخلى فيه أميركا عن دولة عضو قد تتعرض للاعتداء من قبل دولة غير عضو مثل روسيا أو الصين أو إيران أو كوريا الشمالية.
وترافق هذا التغيير في سياسة إدارة ترمب مع مطالبة الإدارة أعضاء الحلف بزيادة مساهمة دولهم في الإنفاق الدفاعي إلى نسبة 2% من قيمة الناتج القومي الإجمالي.
ورفع وزير الخارجية الأميركـي ماركو روبيو المطالبة إلى 5% في هذا الاجتماع الذي استمر يومين (الأربعاء والخميس)، وقال في مؤتمر صحافي عقده إلى جانب السكرتير العام للحلف الفنلندي مارك روته: “علينا أن نغادر من هذا الاجتماع،
وقد حددنا مساراً لرفع نسبة مشاركة كل دولة في الإنفاق الدفاعي إلى 5% من إنتاجها القومي الإجمالي”.
وبدأت بعض الدول الأوروبية برفع مساهمتها في الإنفاق الدفاعي، خاصة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، لكن مساهمة العديد من الدول ما زالت عند حدود 2% مثل إسبانيا وغيرها.
وقال نيكولاس ويليامز، المسؤول السابق في الحلف، لـ”الشرق” في بروكسل: “فرضت سياسة الرئيس الأميركـي دونالد ترمب حالة من عدم اليقين على حلف الناتو”.
وأضاف: “لقد حدد وزير الخارجية الأميركـية روبيو نسبة الإنفاق الدفاعي لكل دولة عضو في الحلف بـ5% من قيمة إنتاجها القومي، وهذا أمر غير مسبوق في تاريخ الحلف”.
تحديات خارجية كبيرة
وحاول المسؤولون في الحلف، في اللقاءات المغلقة، إظهار حجم التحديات الخارجية التي تواجهها دول الحلف.
وقال أحد كبار المسؤولين في أحد الاجتماعات إن الإنفاق الروسي على إنتاج الذخيرة في السنة الأخيرة بلغ 4 أضعاف حجم إنتاج أميركا وأوروبا مجتمعة من الذخائر.
وأشار إلى أن روسيا، التي حولت اقتصادها إلى اقتصاد حرب، تنتج أسلحة وذخائر وفق منظومة متكاملة، بينما لا تنتج الدول الأعضاء في الحلف الأسلحة وفق أولويات خاصة لكل دولة.
ودعا هذا المسؤول إلى قيام الدول الأعضاء في الحلف بتنسيق إنتاجها الحربي وفق منظمة تحقق التكامل بين هذه الدول، وليس التنافس الجاري لأغراض ذاتية وتجارية.
قلق من “تحالف الأعداء”
وتردد مصطلح التحالف الروسي الصيني الإيراني الكوري الشمالي كثيراً في أروقة اجتماعات حلف الناتو.
وأشار غير مسؤول في الحلف خلال الاجتماعات إلى ما يشكله التعاون المتنامي بين هذه الدول الأربعة من تحدٍ وصل حد تهديد استقرار المجتمعات الأوروبية والغربية من خلال السايبر والتدخل في الانتخابات وغيرها.
وأشار مارك روته إلى أن وجود القوات الكورية الشمالية في روسيا، والاعتماد الروسي المتزايد على الطائرات المسيرة الإيرانية من طراز “شاهد”، يشكل دليلاً ساطعاً على تعاون هذه الدول مع بعضها ضد الدول الغربية.
انسحاب أميركي من أوروبا
ولا يخفي الكثير من الأوروبيين قلقهم من انسحاب محتمل للقوات الأميركـية من القارة الأوروبية بعد عقود طويلة من الحماية التي وفرتها هذه القوات للقارة العجوز.
وصدرت الكثير من الإشارات والتصريحات عن إدارة ترمب بشأن التكلفة المالية الكبيرة والزائدة التي تتحملها الإدارة لقاء توفير حماية عسكرية للقارة الأوروبية، وضرورة قيام الدول الأوروبية بزيادة إنفاقها على العسكري، وتحمل نفقات حماية نفسها التي تمت حتى وقت طويل على حساب الاقتصاد الأميركـي.
ولا يخفي أركان إدارة الرئيس ترمب رغبتهم في توظيف مواردهم المالية لتحسين الاقتصاد الأميركـي والتفرغ لمواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية التي يفرضها التوسع المتنامي للصين.
ناتو أوروبي
وأمام هذه المخاوف ظهرت دعوات لخلق نواة قوية من الدول الأوروبية في حلف الناتو للاعتماد على نفسها بدلًا من الاعتماد على أميركا.
وأعلنت العديد من الدول الأوروبية عن زيادة إنفاقها الدفاعي وزيادة الدعم العسكري والمالي المقدم لأوكرانيا.
وقال الأمين العام للحلف مارك روته للصحافيين: “إن الدول الحليفة أنفقت مئات مليارات الدولارات في الأشهر الأخيرة على دعم أوكرانيا، وهي أرقام إنفاق غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة”.
لكن بعض المراقبين هنا يحذرون من حدوث سباق تسلح أوروبي – أوروبي، وقال أحدهم إن “إشارات الانسحاب الأميركـي من القارة الأوروبية تفتح الطريق أمام سباق تسلح أوروبي – أوروبي، جراء زيادة الدافعية للاعتماد على النفس، ما يثير قلقاً من نوع آخر بشأن المستقبل”.