بقلم حسن النجار: الإدمان خطر قومي والدولة تواجهه بقوة
المفكر السياسي حسن النجار رئيس تحرير الوطن اليوم والمتخصص في الشؤون السياسية الدولية
الوطن اليوم الاخبارية – 22 يناير 2026
بقلم | حسن النجار
لم يعد الإدمان مجرد سلوك فردي منحرف أو أزمة صحية عابرة، بل تحوّل إلى وباء عالمي يهدد المجتمعات في صميمها، ويستهدف أخطر ما تملكه الدول: شبابها وعصب مستقبلها. وفي ظل محاولات خبيثة لتصدير هذا الخطر إلى بلادنا،
بهدف ضرب الوعي وتغييب العقول وإنهاك الطاقات، كان لزامًا على الدولة المصرية أن تتعامل مع الإدمان باعتباره تهديدًا مباشرًا للأمن القومي، لا يقل خطورة عن الإرهاب، بل يتجاوزه في كثير من الأحيان.
لقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة انتشار أنواع مستحدثة من المخدرات المصنعة كيميائيًا، تتميز بسرعة تأثيرها وقدرتها التدميرية الهائلة، لتضع المتعاطي أمام مصيرين لا ثالث لهما: إما المرض العضال، أو الموت السريع،
فضلًا عما تسببه من انفلات سلوكي وجرائم تُرتكب تحت تأثيرها، لتتحول الأسر إلى ضحايا، ويصبح الخوف على الأبناء الهاجس الأكبر لكل بيت.
وإذا كانت المخدرات قديمة قدم المجتمعات، فإن الجديد اليوم هو هذا الطوفان من “الماركات” القاتلة، مثل: الاستروكس، الشابو، الشادو، الكريستال، الآيس، الكيتامين وغيرها،
والتي استهدفت فئات عمرية أصغر وشرائح اجتماعية أوسع، في مشهد يكتمل فيه تدمير الإنسان قبل أن يكتمل نضجه، ليتحول إلى مجرد ظل بلا روح ولا قيمة.
غير أن الدولة المصرية لم تقف يومًا مكتوفة الأيدي أمام هذا الخطر الداهم، بل تنبهت مبكرًا، وأسست نموذجًا وطنيًا رائدًا تمثل في صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، الذي حمل على عاتقه مهمة مزدوجة: خفض الطلب عبر التوعية والعلاج، وخفض العرض بالتنسيق الكامل مع الأجهزة الأمنية المعنية.
وقد لعب الصندوق، بقيادة الدكتور عمرو عثمان، دورًا محوريًا في بناء منظومة متكاملة لمواجهة الإدمان، تجمع بين الوقاية والعلاج والتأهيل، من خلال مراكز “العزيمة” المنتشرة في 21 محافظة، والتي تقدم خدمات علاجية مجانية وفقًا للمعايير الدولية، إلى جانب برامج إعادة الدمج المجتمعي والتمكين الاقتصادي للمتعافين.
ولم تقتصر جهود الصندوق على العلاج فقط، بل امتدت إلى حملات توعوية غير مسبوقة، كان أبرزها الحملات الإعلامية التي تصدّرها النجم العالمي محمد صلاح، والتي نجحت في مخاطبة الشباب بلغتهم،
وحققت ملايين المشاهدات، وأسهمت في زيادة الإقبال على الخط الساخن 16023 إلى خمسة أضعاف، لتصبح هذه الحملات نموذجًا دوليًا يُحتذى به في الإبداع والتأثير.
وعلى الجانب الآخر، يواصل قطاع مكافحة المخدرات والأسلحة والذخائر غير المرخصة بوزارة الداخلية، بالتعاون مع الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، توجيه ضربات موجعة لتجار السموم، مستخدمًا أحدث الوسائل التكنولوجية لتفكيك البؤر الإجرامية وملاحقة شبكات التهريب، في معركة لا تعرف التهاون أو التراجع.
وفي رسالة بالغة الدلالة، جسّدت وزارة الداخلية مفهوم الشراكة الإنسانية، لا الأمنية فقط، حين كرّمت المتعافين من الإدمان بمراكز العزيمة، خلال احتفالات عيد الشرطة الـ74، في مشهد يحمل انقلابًا كاملًا في الصورة الذهنية؛ من مطاردة بالأمس إلى تكريم اليوم، ومن الهروب إلى الفخر والاعتراف المجتمعي.
لقد كان لهذا التكريم، بحضور قيادات أمنية رفيعة وشخصيات وطنية وممثلي الأمم المتحدة، أثر بالغ في نفوس المتعافين، ورسالة واضحة بأن الدولة لا تعاقب المرض، بل تحاربه، ولا ترفض الإنسان، بل تحتضنه وتمنحه فرصة جديدة للحياة.
إن ما تحقق على أرض الواقع يؤكد أننا أمام تجربة وطنية ناجحة، أصبحت محل تقدير دولي، ومرجعًا تحتذي به دول عديدة في مواجهة الإدمان، وهي تجربة تثبت أن المواجهة الحقيقية لا تكون بالأمن وحده، ولا بالعلاج منفردًا، بل بتكامل الجهود، وتكاتف المؤسسات، وتوحيد الرسالة.
وفي النهاية، تبقى معركة الوعي هي الفيصل، ويبقى الرهان الأكبر على استمرار هذا النهج الوطني الصادق، حمايةً لشبابنا، وصونًا لمستقبل هذا الوطن.
حفظ الله مصر حفظ الله الجيش المصري ورحم الله شهدائنا الابرار







