الشؤون السياسية الدولية

بقلم حسن النجار | الحرب على إيران باتت حتمية

الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار المتخصص في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم

الوطن اليوم – 30 يناير 2026

بقلم | حسن النجار

الحرب على إيران لم تعد احتمالاً بعيداً، بل أصبحت أمراً حتمياً لا مفر منه. كل ما يُقال عن إمكانية التفاوض أو التهدئة لا يعدو كونه محاولات يائسة لكسب الوقت أو لإيجاد ذريعة تُؤجل اللحظة الحاسمة، لكنها لن تمنعها.

إدارة ترامب لم تعد ترى في إيران “ملفاً نووياً” يمكن احتواؤه بالعقوبات والضغط، بل نظاماً سياسياً يجب إخضاعه أو كسره، على غرار ما حدث مع فنزويلا، وما يُحضَّر له حالياً ضد كوبا.

تجاوزت واشنطن مرحلة الاحتواء إلى مرحلة إعادة هندسة النظام نفسه، ووضعه على مسار السقوط أو التغيير الجذري، خاصة بعد فشل الرهان على إسقاطه من الداخل عبر الاحتجاجات الشعبية.

هذا التحول بدأ فعلياً خلال حرب غزة، حين استخدمت إدارة بايدن الصراع كغطاء استراتيجي لإعادة ترتيب البيئة الإقليمية المحيطة بإيران.

القطع الحربية الأمريكية التي تدفقت إلى الشرق الأوسط لم تكن لردع طهران بقدر ما كانت لتأمين مساحة زمنية تسمح لإسرائيل بإضعاف محاور وأذرع إيران في لبنان وسوريا والعراق وغزة واليمن.

وبعد إضعاف هذه الأذرع، وخروج سوريا تماماً من دائرة التأثير الإيراني، أصبح الطريق مفتوحاً للانتقال من استهداف المحيط إلى استهداف المركز.

جولة الـ12 يوماً أكدت هذا الانتقال، حيث دعمت واشنطن هجوماً إسرائيلياً واسعاً على إيران، ونفذت ضربات مركزة ضد منشآت نووية وصاروخية داخل الأراضي الإيرانية،

في رسالة واضحة بأن طهران لم تعد محمية بخطوط حمراء. الهدف الحقيقي كان اختبار قدرة النظام على امتصاص الضربة، وقياس حجم الرد،

ومدى استعداد الإقليم للانفجار. والنتيجة كانت أن واشنطن وتل أبيب اكتشفتا أن ضرب إيران مباشرة أصبح ممكناً دون أن يؤدي تلقائياً إلى حرب شاملة.

التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة في المنطقة ليست مجرد ردع، بل إعداد مسرح عمليات للحرب القادمة. تحريك حاملة طائرات “أبراهام لينكولن” كاملة مع مدمراتها، ونشر مقاتلات هجومية بعيدة المدى،

وإرسال قاذفات استراتيجية، وتعزيز أنظمة الدفاع الصاروخي، وإجراء تدريبات جوية واسعة، كلها خطوات لتأمين القواعد وحلفاء واشنطن وحرية حركتها قبل إطلاق الضربة الرئيسية.

ترامب حسم خياره، والتراجع عن هذا المسار يتطلب من إيران تقديم تنازلات مستحيلة: التخلي الكامل عن البرنامج النووي، والتخلي عن مشروع الصواريخ البالستية طويلة المدى، والتخلي التام عن دعم أذرعها في الإقليم. شروط لن يقبلها نظام الملالي، لأن تنفيذها يعني سقوط مشروع ثورة 1979 بالكامل.

كل التحركات الإقليمية التي شهدناها من مصر والسعودية وقطر وتركيا وسلطنة عمان لم تكن سوى محاولة لتأجيل لحظة الصدام، ومنح نافذة أخيرة للمفاوضات وفرصة لطهران لتقديم تنازلات تفادياً للحرب. لكنها لم تغير الاتجاه العام للقرار الأمريكي الذي يرغب في خضوع إيراني كامل لكافة المطالب.

الضربات الأمريكية القادمة -حتى لو رافقتها إسرائيل- لن تعني بالضرورة إسقاط النظام الإيراني فوراً. الأرجح أنها ستستهدف مراكز القيادة والسيطرة، والبنية العسكرية والاقتصادية الاستراتيجية، والصف الأول من القيادة بما في ذلك المرشد الأعلى، بهدف شل قدرة النظام على الحكم والردع.

لكن إيران لن تقف مكتوفة الأيدي، بل سترد باستهداف المصالح الأمريكية في المنطقة، وبوتيرة أعلى مما شهدناه في حرب الـ12 يوماً، خاصة إطلاق الصواريخ البالستية الاستراتيجية، وستكون المدن الإسرائيلية ضمن بنك الأهداف.

وما هذه المواجهة القريبة، وبخلاف حرب يونيو 2025، فمن المتوقع أن تدخل الأذرع الإيرانية (حزب الله في لبنان، الفصائل العراقية، الحوثيون في اليمن) إلى المعركة،

لأن اللحظة ستكون فارقة، فهذه ستكون حرب وجود لإيران ولأذرعها. هناك قناعة لدى محور المقاومة بأن سقوط طهران يعني بالضرورة إنهاء الأذرع وقطع شريان الدعم الإيراني.

دخول الأذرع سيحول الضربة الأمريكية من عملية محدودة إلى حرب إقليمية واسعة، وعندها لن يكون الصراع مجرد مواجهة بين واشنطن وتل أبيب وطهران، بل انفجاراً كبيراً يعيد رسم خرائط القوة والنفوذ في الشرق الأوسط بالقوة.

وهذا يفسر التحركات الأمريكية الواسعة تجاه العراق لتحييد كتائب حزب الله العراقي، بل وقطع أي علاقات اقتصادية بين بغداد وطهران.

من غير المستبعد، في حال انتقلت المواجهة إلى مرحلة يصعب السيطرة عليها أمريكياً (بما يؤثر على ترامب داخلياً في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، أو نجاح إيران في إحداث خسائر استراتيجية للأصول العسكرية الأمريكية)،

أن يقدم ترامب على إعلان وقف الحرب تحت ذرائع سياسية ودعائية بأن إيران قدمت تنازلات استراتيجية وأن واشنطن جاهزة للتفاوض. لكن إيران لن تخرج أقوى من المعركة، بل ستخرج أضعف، وسيكون عليها التحضير لجولات أخرى.

حسن النجار

حسن النجار : رئيس تحرير جريدة الوطن اليوم الاخبارية والكاتب الصحفي والمفكر السياسي في مجال الاقتصاد والعلوم السياسية باحث مشارك - بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الانسان لدي جامعة الدول العربية والنائب الاول لرئيس لجنة الاعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الانسان الدولية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى