بقلم حسن النجار : بعد مادورو .. مين عليه الدور؟ من فنزويلا تبدأ الحكاية
المفكر السياسي حسن النجار رئيس تحرير الوطن اليوم والكاتب في الصحافة السياسية العربية مع اهتمام خاص بملفات السيادة الوطنية والقانون الدولي.
الوطن اليوم الإخبارية – 7 يناير 2026
مقال رأي ✍️ بقلم حسن النجار
لا يمكن الاستهانة بما أقدمت عليه الولايات المتحدة في فنزويلا، حين أقدمت على اختطاف رئيس دولة في سابقة تمثل انتهاكًا فادحًا لأبسط قواعد القانون الدولي ومبادئ السيادة الوطنية.
ومع خطورة ما حدث، فإن الخطأ الأكبر يكمن في الاعتقاد بأن واشنطن قادرة على تكرار هذا السيناريو بسهولة وفي أي مكان آخر، وكأن العالم بات مسرحًا مفتوحًا لمغامرات غير محسوبة.
صحيح أن دونالد ترامب، بما عُرف عنه من نزعة استعراضية ونرجسية سياسية وقرارات صادمة، كان صاحب القرار، إلا أنه في نهاية المطاف رئيس لدولة تحكمها مؤسسات عميقة الجذور،
لا تسمح بأن تتحول السياسة الخارجية إلى سلسلة من المغامرات العشوائية: فنزويلا أمس، المكسيك اليوم، والبرازيل غدًا، دون حساب دقيق للكلفة والعائد، وللخسائر والأرباح.
لقد كان اختيار فنزويلا قائمًا على معادلة “الهدف السهل” أو “النجاح المضمون”. فهي دولة نفطية غنية من جهة، ورئيسها متهم داخليًا وخارجيًا بتزوير الانتخابات في عامي 2019 و2024 من جهة أخرى.
كما أن غياب التداول السلمي للسلطة، مقارنة بما تشهده معظم دول أمريكا الجنوبية، أدى إلى انقسام حاد داخل المجتمع الفنزويلي؛ انقسام جعل قطاعًا من الشعب مستعدًا لقبول التغيير حتى لو جاء على أيدي الأمريكيين، وقطاعًا آخر آثر الصمت بدافع الكراهية للنظام، مقابل قطاع ثالث رفض التدخل ودعم الرئيس.
هذا الانقسام المجتمعي حول شرعية الحكم، وليس مجرد الخلاف السياسي، وفر بيئة مثالية لنجاح العملية. فالاستخبارات الأمريكية عادة ما تنجح حينما تجد تصدعًا داخليًا عميقًا،
وهو ما يفسر السلاسة اللافتة التي نُفذت بها العملية، حيث تم اختراق الدائرة الأمنية الضيقة المحيطة بالرئيس مادورو، لتصبح تكلفة العملية شبه رمزية،
لا تتجاوز وقود الطائرات وبعض الضربات المحدودة لمواقع عسكرية، دون رد فعلي مؤثر من الجيش الفنزويلي، الذي بدا إما مخترقًا أو عاجزًا، رغم ما رفعه قادته سابقًا من شعارات حماسية.
يضاف إلى ذلك عامل جغرافي-سياسي بالغ الأهمية، يتمثل في كون فنزويلا تقع ضمن ما تسميه واشنطن تقليديًا “الحديقة الخلفية”، أي المجال الحيوي الذي ترى الولايات المتحدة أنه من حقها التدخل فيه متى شاءت،
حتى ضد أنظمة منتخبة ديمقراطيًا إذا تعارضت مع مصالحها، كما حدث في تشيلي عام 1973.
كل هذه العوامل جعلت من “عملية مادورو” مغامرة منخفضة التكلفة، شبه مضمونة النتائج، حتى وإن أبدت بعض الدول الأوروبية اعتراضًا شكليًا لا يتجاوز حدود رفع العتب السياسي.
غير أن ذلك لا يعني بحال من الأحوال أن هذا النموذج قابل للتعميم، سواء في أمريكا الجنوبية أو في مناطق أكثر تعقيدًا مثل إيران.
صحيح أن طهران هدف دائم للولايات المتحدة وإسرائيل، ولو تأكدت واشنطن أن إسقاط النظام الإيراني سيتم بكلفة محدودة وبدائل آمنة، لما ترددت في التدخل الخشن لقلب المعادلة.
لكنها تدرك جيدًا أن النظام في إيران ما زال يمتلك قاعدة شعبية متدينة ومحافظة، وبعضها شديد التطرف، وتعلم أن ثمن إسقاطه قد يكون باهظًا، ليس فقط داخل إيران،
بل على مستوى استقرار الخليج واستهداف المصالح الأمريكية في المنطقة. ولهذا، ما زالت الحسابات قائمة، والتردد حاضرًا.
حفظ الله مصر حفظ الله الوطن حفظ الله الجيش المصري ورحم الله شهدائنا الابرار







