بقلم حسن النجار : ترامب في دافوس إعلان صريح لنظام القوة
المفكر السياسي حسن النجار رئيس تحرير الوطن اليوم والباحث في الشؤون السياسية الدولية
الوطن اليوم الاخبارية – 24 يناير 2026
بقلم : حسن النجار
لم يشهد منتدى دافوس، منذ تأسيسه، زحامًا كالذى صاحب دخول القاعة التى تحدث فيها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب. المفارقة أن هذا التدافع لم يكن بدافع الإعجاب أو التأييد، بل بدافع الفضول والقلق معًا.
أغلب الحضور، كما بدا من الأحاديث الجانبية أثناء الانتظار، لم يأتوا ليستمعوا إلى خطاب تقليدى، بل ليشاهدوا كيف يُعاد تعريف السياسة الدولية على لسان رجل لا يؤمن كثيرًا بالمجاملات الدبلوماسية.
رسائل ترامب تجاوزت حدود النقد السياسى المعتاد. لم تسلم فرنسا أو الدنمارك، وامتد الهجوم إلى بريطانيا، الحليف التاريخى، التى جرى تقديمها كنموذج على «الضعف السيادى».
كندا تعرضت للتوبيخ العلنى، بينما بلغ الخطاب ذروته حين جرى توصيف الصومال، شعبًا بأكمله، بعبارات مهينة تكشف عن استخفاف غير مسبوق بالأعراف الدولية.
بهذا المعنى، لم يكن دافوس مجرد منصة خطابية، بل تحوّل إلى مرآة تعكس إعادة تشكيل النظام الغربى. الولايات المتحدة، فى ظل قيادة ترامب، لا تسعى إلى ترميم تحالفات أو تجميل خلافات،
بل إلى إعادة تعريف العلاقات الدولية على أساس القوة الصلبة والابتزاز السياسى. أوروبا، فى المقابل، تبدو عالقة بين خطاب سيادى متآكل، وقدرة محدودة على الفعل، واكتفاء متكرر بالاعتراض اللفظى.
اختيار ترامب لدافوس لم يكن عشوائيًا. المنتدى، بما يحمله من رمزية للنخب الاقتصادية العالمية، شكّل المسرح الأمثل لتوجيه الرسائل. قبل عام، قدم ترامب «عرضًا لا يمكن رفضه» للشركات:
التصنيع داخل الولايات المتحدة أو مواجهة رسوم قاسية. هذا العام، عاد ليكمل الرسالة نفسها، لكن بصيغة أشمل وأقسى، تمس الأمن والسيادة والتحالفات.
شعار المنتدى كان «روح الحوار»، لكن الممارسة الأمريكية جاءت على النقيض. فبدل الدعوة للتعاون، فُرض منطق الصفقات الصعبة: الأمن مقابل الولاء، السوق مقابل الانصياع، والحماية العسكرية مقابل التنازل عن أجزاء من السيادة الوطنية.
محاولات القادة الأوروبيين للرد، من تحذيرات ماكرون من عالم بلا قواعد، إلى دعوات فون دير لاين لبناء قوة أوروبية مستقلة، بدت أقرب إلى دفاع متأخر فى مواجهة رئيس أمريكى لا يُخفى استخفافه بالقواعد التى تأسس عليها النظام الدولى بعد عام 1945.
ما فعله ترامب فى دافوس، باختصار، أنه نزع القناع عن الواقع. قال بصراحة خشنة ما كان يُدار سابقًا بلغة دبلوماسية ناعمة. وفى عالم تحكمه موازين القوة لا البلاغة، تبدو أوروبا محكومة بدور المراقب، بينما تظل القرارات الكبرى تُصاغ خلف الأبواب الموصدة فى واشنطن.
قد يُنتقد دافوس وتُسخر نخبوية جلساته، لكن متابعته باتت ضرورة. فبين كلماته المتوترة تتشكل ملامح عالم جديد، أكثر فظاظة وأقل مواربة، عالم لا مكان فيه إلا لمن يملك أدوات القوة. وفى هذا العالم، لم يأتِ ترامب ليحاور، بل ليعلن أن زمنه، بقواعده الخاصة، قد بدأ بالفعل.






