بقلم حسن النجارشؤون سياسية

بقلم حسن النجار .. ترامب يعيد الواقعية الأمريكية لأزمة النيل

المفكر السياسي حسن النجار المتخصص في الشؤون السياسية الدولية

الوطن اليوم الإخبارية – 19 يناير 2026

شؤون سياسية – بقلم : حسن النجار 

وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في السادس عشر من يناير الجاري، رسالة رسمية إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، حملت دلالات سياسية مهمة تعكس عودة واضحة لمنهج «الواقعية الأمريكية» في إدارة الأزمات الدولية،

والقائم على تهميش الأطراف محدودة التأثير، والاعتماد على الوساطة المباشرة المدعومة بالنفوذ السياسي والاقتصادي، والنظر إلى النزاعات باعتبارها ملفات استقرار إقليمي لا مجرد خلافات قانونية أو فنية.

وتكشف الرسالة عن إدراك أمريكي متزايد بأن أزمة سد النهضة تجاوزت كونها مسألة تفاوضية محدودة، لتتحول إلى ملف ذي انعكاسات مباشرة على أمن شرق أفريقيا والبحر الأحمر، خاصة في ظل احتدام التنافس الدولي، وتنامي أدوار قوى فاعلة داخل المشهد الإثيوبي.

وتحمل رسالة ترامب عدداً من المكاسب المحتملة للموقف المصري، أبرزها الاعتراف الضمني بشرعية المخاوف المصرية المرتبطة بالأمن المائي، وإقرار أمريكي بخطورة النهج الإثيوبي الأحادي، إضافة إلى إعادة تدويل محسوبة للملف خارج الإطار الأفريقي التقليدي.

وفي المقابل، تفرض الرسالة جملة من التحديات التي تستوجب التعامل معها بحذر بالغ، من بينها محاولات إعادة تعريف الأزمة باعتبارها نزاعاً قابلاً للتسوية الاقتصادية، والدفع نحو حلول مرنة قد تفتقر إلى الإلزام القانوني الصارم، فضلاً عن خطر استنزاف الموقف المصري عبر مسار تفاوضي طويل دون نتائج حاسمة.

ويمكن توصيف الرسالة باعتبارها «فرصة تفاوضية مشروطة» أكثر منها ضماناً استراتيجياً، إذ يبدو أن الهدف الرئيسي للبيت الأبيض يتمثل في احتواء الأزمة ومنع انفجارها،

وليس فرض تسوية قانونية نهائية. وعليه، فإن نجاح أي مسار قادم سيظل مرهوناً بقدرة مصر على تثبيت خطوط حمراء واضحة، ومنع تحويل الوساطة إلى أداة لإدارة الأزمة بدلاً من حلها.

ويُعد سيناريو «التسوية المنضبطة» هو الاحتمال الإيجابي المرجح، لكنه يظل مشروطاً بنجاح الوساطة الأمريكية في فرض اتفاق قانوني ملزم، يتضمن قواعد واضحة لملء وتشغيل السد، وضمان تصرفات مائية مستقرة خلال فترات الجفاف،

إلى جانب آلية رقابة دولية بمشاركة أمريكية مباشرة. ومن شأن هذا السيناريو أن يعزز الأمن المائي المصري، ويخفض احتمالات الصدام العسكري، ويعيد ضبط العلاقات المصرية الإثيوبية على أسس أكثر استقراراً.

ويرتبط تحقق هذا السيناريو بمدى استعداد الولايات المتحدة لممارسة ضغوط حقيقية على إثيوبيا، وبفعالية التنسيق المصري السوداني، وبالتمسك المصري الصارم بإطار قانوني ملزم لا يقبل التمييع أو المساومة، مع توظيف النفوذ الإقليمي، خاصة الخليجي، لخلق توازن ضاغط على الجانب الإثيوبي،

مع الحفاظ على جميع الخيارات الاستراتيجية دون إعلان أو تصعيد، ومنع اختزال الملف في مقايضات اقتصادية تمس جوهر الأمن المائي المصري.

وفي النهاية، يظل ملف مياه النيل قضية وجودية لا تحتمل أنصاف الحلول، خاصة في ظل نظام دولي يتجه نحو صراعات مفتوحة على الموارد. كما أن قدرة مصر على إدارة هذا الملف لا تحدد مستقبل أمنها المائي فقط، بل ترسم أيضاً موقعها الاستراتيجي داخل معادلة إقليمية شديدة السيولة والتعقيد.

حفظ الله مصر حفظ الله الوطن حفظ الله الجيش المصري ورحم الله شهدائنا الابرار 

حسن النجار

حسن النجار : رئيس تحرير جريدة الوطن اليوم الاخبارية والكاتب الصحفي والمفكر السياسي في مجال الاقتصاد والعلوم السياسية باحث مشارك - بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الانسان لدي جامعة الدول العربية والنائب الاول لرئيس لجنة الاعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الانسان الدولية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى