بقلم حسن النجار: شرم الشيخ 2025.. لحظة أعادت رسم حدود الممكن
الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار عضو المكتب الفني للشؤون السياسية والباحث في الشؤون السياسية الدولية
الوطن اليوم الإخبارية – 4 يناير 2026
بقلم | حسن النجار
لم يكن ما جرى في شرم الشيخ عام 2025 حدثًا دبلوماسيًا عابرًا، ولا مؤتمرًا تقليديًا يضاف إلى أرشيف البيانات الدولية، بل كان لحظة فاصلة أعادت رسم حدود الممكن، ووضعت خطًا أحمر أمام مشروع كان يهدد بتغيير جوهر القضية الفلسطينية،
لا ملامحها فقط. في تلك اللحظة، كانت فلسطين تواجه خطرين متوازيين: عدوانًا عسكريًا مكشوفًا، ومخططًا سياسيًا أخطر، يسعى لتحويل المأساة من قضية احتلال إلى أزمة إنسانية تُدار بالتهجير وتفريغ الأرض من أصحابها.
هنا تحركت الدولة المصرية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، بمنطق مختلف. لم تنتظر تصاعد الأحداث، ولم تكتفِ بإدانة القصف، بل ذهبت مباشرة إلى جوهر الخطر. القراءة المصرية كانت واضحة: القصف ينتهي مهما طال، أما التهجير إذا تم،
فإنه يتحول إلى واقع دائم، يُشرعن سياسيًا ويُفرض قانونيًا بمرور الوقت. من هذا الفهم انطلق التحرك، لا كرد فعل، بل كفعل استباقي محسوب.
مؤتمر شرم الشيخ لم يكن منصة خطابات، بل غرفة إدارة أزمة إقليمية كاملة. الرسالة المصرية جاءت هادئة في نبرتها، لكنها قاطعة في مضمونها: لا حلول تتجاوز بقاء الفلسطيني على أرضه،
ولا قبول بتحويل الإجراءات المؤقتة إلى بدائل دائمة عن الحق. مصر أعلنت بوضوح أنها لن تكون جسرًا لمشروعات تصفية، ولن تسمح بإعادة إنتاج النكبة تحت أي مسمى عصري.
القوة الحقيقية في الموقف المصري لم تكن في الرفض وحده، بل في الربط الذكي بين الملفات. الرئيس السيسي وضع ما يحدث في غزة داخل إطار أشمل، يربط بين الأمن الإقليمي، واستقرار الحدود،
واحترام الدولة الوطنية، وقواعد القانون الدولي. هذا الربط هو ما منح الموقف المصري ثقله، وجعله مفهومًا حتى لدى أطراف لا تشاركه الرؤية السياسية، لأنه خاطب مصالحهم الاستراتيجية لا عواطفهم فقط.
في مواجهة الطرح الإسرائيلي، لم تدخل مصر في ضجيج إعلامي، لكنها نزعت الغطاء السياسي عن فكرة التهجير باعتبارها “حلًا أمنيًا”. تم تفكيك هذا الادعاء بهدوء، عبر إظهار كلفته الحقيقية: انفجار سكاني دائم، عدم استقرار مزمن، ومنطقة مفتوحة على أزمات تتكرر كل عقد، بما لا يخدم أحدًا، بما في ذلك إسرائيل نفسها.
وعلى المسار الأمريكي، حيث الحسابات تُدار بعقلية المصالح، قدمت الدبلوماسية المصرية موقفها باعتباره صمام أمان للاستقرار الدولي، وحاجزًا يمنع توسع الأزمة خارج نطاقها. لم يكن الخطاب عاطفيًا، بل عقلانيًا مباشرًا، وهو منطق تفهمه واشنطن حين يُعرض بوضوح وثقة.
أهم ما تحقق في شرم الشيخ هو إعادة ترتيب الأسئلة. بدلًا من السؤال الخطير: أين يذهب الفلسطينيون؟ عاد السؤال الصحيح إلى مكانه الطبيعي:
كيف يتوقف العدوان؟ كيف تُحمى الأرض؟ وكيف يُعاد فتح المسار السياسي على أسس عادلة؟ هذا التحول في صياغة السؤال هو في ذاته انتصار سياسي، لأن من يملك صياغة السؤال يملك نصف الإجابة.
لو غابت مصر عن هذا المشهد، لكان السيناريو أكثر قتامة. كانت المنطقة ستواجه أكبر موجة تهجير قسري منذ 1948، وكانت الحدود ستتحول إلى خطوط ضغط وانفجار، وكانت القضية الفلسطينية ستدخل مرحلة جديدة من التآكل تحت لافتة “الحلول الواقعية”. لكن ما حدث في شرم الشيخ أوقف هذا المسار بالفعل السياسي المنظم، لا بالشعارات.
الرئيس السيسي في هذا المؤتمر لم يكن يدير أزمة طارئة، بل كان يدافع عن مفهوم الدولة، وعن مبدأ أساسي مفاده أن السلام لا يُبنى على اقتلاع الشعوب،
وأن الاستقرار الحقيقي لا يولد من كسر الإنسان. ولهذا سيبقى مؤتمر شرم الشيخ 2025 علامة فارقة في الذاكرة السياسية العالمية، لأنه أثبت أن الدبلوماسية، حين تستند إلى قوة الدولة ووضوح الرؤية، قادرة على إيقاف أخطر المشروعات، مهما كان داعموها.
في تلك اللحظة، لم تنتصر مصر فقط لفلسطين، بل انتصرت لفكرة أن هناك دولًا ما زالت قادرة على أن تقول “لا”، وأن ترسم حدود الممكن، وأن تمنع التاريخ من تكرار أسوأ فصوله.
حفظ الله مصر وحفظ الله الوطن وتحيا مصر ورحم الله شهدائنا الابرار.






