بقلم حسن النجار شهر يناير بين الأمل والتعلم من الدروس
الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار عضو المكتب الفني للشؤون السياسية ورئيس تحرير الوطن اليوم
الوطن اليوم – 26 يناير 2026
بقلم | حسن النجار
يمثل شهر يناير محطة مهمة فى التاريخ السياسى والاجتماعى المصرى، ليس باعتباره لحظة واحدة جامدة، وإنما كتجربة مركبة تحمل دروسًا بالغة الأهمية للدولة والمجتمع.
فالأمم الحية لا تعيش على الذكريات وحدها، بل تتقدم حين تتعلم من تجاربها، وتدرك أخطاءها، وتحافظ على وحدتها فى مواجهة محاولات التفكيك.
وقد أثبت المصريون، عبر تاريخهم الطويل، امتلاكهم لوعى جمعى مكّنهم من تجاوز تحديات كبرى، والتمييز بين يناير كرمز للتطلع إلى التغيير، وبين كونه عيدًا وطنيًا للشرطة يجسد بطولات أصيلة فى مواجهة الاستعمار وحماية الأمن والاستقرار. وكان من أبرز ما أفرزه يناير 2011 هو الأمل،
والشعور بإمكانية تحسين الواقع وبناء مستقبل أفضل، خاصة لدى قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى التى خرجت بنوايا صادقة وتصورات بسيطة للإصلاح.
غير أن المشهد لم يلبث أن تبدل سريعًا، مع ظهور تداخلات وتعقيدات لم تكن حاضرة فى الصورة الأولى. فقد تكشفت تقاطعات داخلية وخارجية، وأدوار لقوى وتنظيمات لم تمثل الإرادة الشعبية،
بل سعت إلى توظيف حالة السيولة لإعادة رسم خرائط المنطقة، مستفيدة من شعارات التغيير، ومستخدمة أدوات التطرف والحروب بالوكالة تحت غطاء دينى وسياسى.
كما كشفت التطورات اللاحقة أن بعض القوى التى رفعت شعارات الحرية والديمقراطية، يمينًا ويسارًا، لم تكن بعيدة عن نزعات التسلط والإقصاء.
فقد اعتقد كل فريق أن له الحق الحصرى فى الحكم، وأن رؤيته يجب أن تسود، وتحولت الانتخابات لدى البعض من آلية ديمقراطية إلى مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، لا أكثر.
وخلال فترة وجيزة، طُرحت أفكار خطيرة تتعلق بتشكيل ميليشيات، وتم الدفع بعناصر متطرفة إلى مواقع المسؤولية، فى مشهد عكس حجم الارتباك وغياب الرؤية.
ووصل تنظيم الإخوان إلى الحكم مدعومًا من نخب قدمت نفسها باعتبارها ثورية، قبل أن يتضح أن جزءًا منها كان مدفوعًا بالطموح الشخصى والسعى للنفوذ، لا ببناء دولة حديثة قائمة على التعدد واحترام الاختلاف.
ومع تصاعد خطاب التخوين والتكفير، والانقسام الحاد داخل المجتمع، بدا المشهد مهددًا بالانزلاق إلى نموذج دول تفككت أو غرقت فى الفوضى.
وتحول الخلاف السياسى إلى صراع وجودى، تداخل فيه الدين بالسياسة، وأقصيت فيه فئات واسعة لمجرد الاختلاف فى الرأى.
اليوم، وبعد مرور السنوات، تبدو الحاجة ملحة لاستدعاء الذاكرة الوطنية بوعى، لا بروح الصراع. فالكثير من رموز الادعاءات الثورية سقطت أقنعتهم، وتكشفت حقيقتهم، ليس فقط داخليًا،
بل حتى لدى القوى الخارجية التى احتضنتهم يومًا. وأثبتت التجربة أن الفوضى ليست طريقًا للإصلاح، وأن هدم الدولة لا ينتج حرية.
ويبقى الدرس الأهم من يناير هو ضرورة الموازنة بين التغيير والاستقرار، وبين توسيع المجال العام وتداول السلطة، وبين الحفاظ على الدولة الوطنية. فالتقدم الحقيقى لا يتحقق إلا بإصلاح متدرج، ومشاركة سياسية رشيدة،
واستيعاب اقتصادى واجتماعى لكل المواطنين، مع وعى حاسم بالفارق بين دعاة الإصلاح الحقيقيين، والانتهازيين الذين اتخذوا من الشعارات ستارًا لمصالحهم وأجنداتهم.
حفظ الله مصر حفظ الله الوطن حفظ الله الجيش المصري ورحم الله شهدائنا الابرار ؟






