بقلم حسن النجار

بقلم حسن النجار: مصر وتركيا وشراكة المصالح المتوازنة

المفكر السياسي حسن النجار رئيس تحرير الوطن اليوم المتخصص في الشؤون السياسية الدولية

الوطن اليوم – 6 فبراير 2026

بقلم | حسن النجار 

في عالمٍ مضطرب تتبدّل فيه التحالفات وفق حسابات المصالح، وتعلو فيه لغة الصدام على حساب الحكمة، تبرز الدول القادرة على قراءة اللحظة السياسية قراءة واعية بوصفها الأطراف الأقدر على البقاء والتأثير.

فليس كل خلاف قدرًا دائمًا، ولا كل توتر نهاية طريق، بل قد تتحول مساحات الاشتباك إلى فرص حين تُدار بعقل الدولة لا بانفعال اللحظة.

وفي هذا الإطار، يكتسب الإعلان عن استهداف رفع حجم التبادل التجاري بين مصر وتركيا إلى خمسة عشر مليار دولار أهمية سياسية واقتصادية تتجاوز الأرقام،

ليعكس تحولًا محسوبًا في مسار العلاقات الثنائية، قائمًا على فهم ناضج لمعادلة المصالح، وتوازن دقيق بين الثوابت الوطنية ومتطلبات الواقع الإقليمي المتغير.

لقد أثبتت الدبلوماسية المصرية، عبر ما يمكن وصفه بـ«سياسة النفس الطويل»، أن الصبر الاستراتيجي كثيرًا ما يكون أكثر فاعلية من الضجيج، وأن إدارة الخلافات بهدوء تفتح مسارات عجزت الانفعالات عن بلوغها.

فالدولة حين تعيد ترتيب أولوياتها الخارجية، لا تُفرّط في ذاكرتها ولا تتجاهل دروس الماضي، لكنها تضع مصلحة الوطن فوق اعتبارات اللحظة، وتغلب حسابات المستقبل على انفعالات الأمس.

ويأتي هذا التحول في سياق رؤية متكاملة أرساها الرئيس عبد الفتاح السيسي، تقوم على إعادة تموضع مصر إقليميًا ودوليًا على أسس متوازنة، لا تنزلق إلى صدامات مجانية، ولا تُغلق أبواب التعاون حين يكون التقاطع في المصالح طريقًا مشروعًا لحماية الأمن القومي ودعم مسارات التنمية.

وقد ارتكزت هذه الرؤية على تثبيت دعائم الدولة في الداخل أولًا، ثم الانطلاق بثقة نحو توسيع دوائر الشراكة الخارجية، وهو ما أسهم في استعادة مصر لمكانتها بوصفها ركيزة للاستقرار في محيطها، وشريكًا موثوقًا في ملفات الإقليم، وطرفًا حاضرًا في معادلات القرار الدولي.

وفي خضم هذه التحولات، تتعاظم أهمية الخطاب العام ودور الكلمة، خاصة في زمن تتسارع فيه تأثيرات الإعلام الجديد وتتداخل فيه مساحات الرأي والتأثير. فليس كل خلاف يُستدعى من دفاتر الماضي،

ولا كل معركة تُدار عبر المنصات. وحين تختار الدولة مسار الشراكة، يصبح من الحكمة أن يتحرك الخطاب العام في الاتجاه ذاته، دعمًا لما يُبنى من جسور، وحماية لما يتحقق من مكاسب، وصونًا لصورة الدولة ومصالحها في الخارج.

إن تحويل الخصوم إلى شركاء لا يعكس ضعفًا في الموقف، بل يعبّر عن ذروة النضج السياسي حين تدرك القيادة أن الاستقرار الإقليمي والتكامل الاقتصادي أكثر جدوى من استنزاف الطاقات في صراعات ممتدة.

وما يشهده المشهد اليوم من تقارب مصري–تركي يعكس ثمار رؤية دولة اختارت تنويع الشراكات، وتوسيع دوائر التعاون، وتغليب لغة المصالح المشتركة على ضجيج الخلافات.

ومع بزوغ هذه المرحلة، تتفتح آفاق واعدة على أكثر من صعيد؛ من تعزيز منظومة الأمن القومي، إلى دعم الاقتصاد الوطني، وتوسيع شبكة الشراكات الإقليمية والدولية،

بما يضع مصر في قلب توازنات الإقليم والعالم. وهي خطوات لا تُقرأ باعتبارها استجابات ظرفية، بل جزءًا من رؤية طويلة المدى تُعزز قدرة الدولة على التكيف مع تحولات العالم المتسارعة.

وتبقى الحقيقة الأهم أن الدول تُقاس بقدرتها على حماية مصالحها لا بإطالة خصوماتها؛ فالمستقبل لا يُبنى بالضجيج، بل بالحكمة، ولا تصنعه الانفعالات، بل ترسمه رؤية تعرف متى تختلف، ومتى تتقاطع المصالح، ومتى تمضي قُدمًا تاركةً عبء الماضي خلفها.

وفي النهاية، يظل الوطن هو البوصلة، والغاية الكبرى لكل قرار، والدرع الحقيقية لمستقبل الأجيال. فحين تنضج السياسة، لا ترفع صوتها بقدر ما ترفع مكانة أوطانها، ولا تبحث عن انتصار لحظة، بل عن استقرار دولة، ورصيد أمة، ووطن يظل عنوانًا للكرامة والهيبة.

حفظ الله مصر حفظ الله الوطن حفظ الله الجيش المصري ورحم الله شهدائنا الابرار ؟|

حسن النجار

حسن النجار : رئيس تحرير جريدة الوطن اليوم الاخبارية والكاتب الصحفي والمفكر السياسي في مجال الاقتصاد والعلوم السياسية باحث مشارك - بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الانسان لدي جامعة الدول العربية والنائب الاول لرئيس لجنة الاعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الانسان الدولية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى