بقلم حسن النجار : الحرب فرصة ذهبية لتأجيل الانتخابات المحلية
حسن النجار الكاتب الصحفي والمفكر السياسي في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم
الوطن اليوم الإخبارية – من القاهرة – شؤون سياسية – 4 مارس 2026
بقلم | حسن النجار
انني اري في هذة السطور المضيئة أن الحرب منحت حكومة الدكتور مصطفى مدبولي فرصة لتعليق إخفاقاتها على شماعة الظروف الدولية، بحيث تُنسب زيادات الأسعار وتأجيل القرارات إلى تداعيات الحرب،
حتى وإن انتهت خلال فترة قصيرة. ويشير إلى أن الحكومة تبدو شديدة التأثر بالأحداث السياسية الخارجية، لدرجة قد تُتخذ معها قرارات مثل تأجيل انتخابات المجالس المحلية بدعوى الانشغال بتداعيات الحرب.
ويذكّر بأن المجالس المحلية في مصر تم حلّها بحكم قضائي عام 2011 عقب ثورة 25 يناير، وأن آخر انتخابات لها جرت في أبريل 2008، ما يعني – بحسب رأيه – أن هناك متسعاً من الوقت كان يمكن خلاله إجراء الانتخابات أكثر من مرة بين عامي 2015 و2025 لاستيفاء الاستحقاق الدستوري، إذا توفرت الإرادة السياسية.
كما يتساءل، منضمًا إلى تساؤلات الدكتور صلاح الغزالي حرب، عن موعد ومصير انتخابات المحليات، في ظل غياب أي مؤشرات رسمية أو تغطيات إعلامية توحي بقرب إجرائها، رغم ما تمثله من حراك سياسي واجتماعي، خاصة بين الشباب، وما تتيحه من قنوات للمشاركة السياسية المنظمة.
وارى أن استمرار الأوضاع الراهنة أسهم في إطالة عمر الحكومة، ما انعكس – بحسب وصفه – على الأداء العام، وأدى إلى حالة من الجمود والملل، فضلاً عن تراجع مستوى التفاعل بين الحكومة ووسائل الإعلام والبرلمان.
وفي هذا السياق، ينتقد ما يعتبره ضعف التواصل بين الحكومة والبرلمان، مشيرًا إلى تساؤلات عدد من النواب بشأن غياب الحكومة عن جلسات المجلس لعرض رؤيتها تجاه القضايا المطروحة، وعلى رأسها تداعيات الحرب، وملف الاقتراض، وغيرها من الملفات التي تهم الرأي العام.
كل ما يدور حولنا من حروب وصراعات يؤكد لنا وللجميع أن الرجل الذي يتحمل مسؤولية الأمة المصرية في هذه المرحلة العصيبة يستحق كل الشكر والتقدير والعرفان على حكمته وجرأته وتجرده وإخلاصه، ودون الدخول في تفاصيل قد تحرج البعض أو تفسر خارج سياق الفكرة، والله يعلم ما في نفسي، فمن لم يشكر الناس لم يشكر الله.
ففي تاريخ الأمم لحظات فارقة لا تحتمل التردد، كما لا تغفر التهور. لحظات تحتاج إلى قائد يجمع بين صفاء الرؤية وصلابة القرار، بين هدوء الحكيم وإقدام الجريء. ومن النماذج التي تجسد هذا المعنى في الواقع المصري المعاصر،
يبرز نموذج الرئيس عبدالفتاح السيسي بوصفه مثالاً للحكيم الجريء المتجرد؛ الرجل الذي استطاع أن يدير الأزمات ساعياً إلى حلول جذرية في زمن اختلطت فيه الحسابات، وتعقدت فيه التحديات داخلياً وخارجياً.
الحكمة في شخصية السيسي تتجلى أولاً في قدرته على قراءة المشهد قراءة شاملة، لا تحكمها اللحظة ولا تنحصر في ردود الأفعال. فمنذ توليه المسؤولية، كان واضحاً أن الدولة المصرية أمام تراكمات ثقيلة، سواء على مستوى البنية التحتية، أو الاقتصاد، أو الأمن القومي.
الحكمة هنا لم تكن في تجميل الواقع أو تأجيل المواجهة، بل في مصارحة الشعب بحجم التحديات، والاعتراف بأن طريق الإصلاح سيكون طويلاً وشاقاً. هذه المصارحة في حد ذاتها لون من ألوان التجرد، لأنها تخاطب وعي الناس لا عواطفهم، وتضعهم أمام الحقيقة دون مواربة.
أما الجرأة، فقد بدت في قرارات مصيرية لم تكن سهلة أو شعبية في بداياتها. الإصلاح الاقتصادي، على سبيل المثال، تطلب شجاعة استثنائية في تحمل تبعاته الاجتماعية، مع إدراك أن ثمار تلك السياسات لن تُجنى بين يوم وليلة. الجرأة هنا لم تكن اندفاعاً،
بل كانت إقداماً محسوباً، مبنياً على رؤية إصلاحية تستهدف إعادة بناء أسس الاقتصاد الوطني. فالقيادة الجريئة ليست تلك التي تبحث عن التصفيق اللحظي، بل التي تتحمل النقد في سبيل مصلحة بعيدة المدى.
وفي ملف الأمن القومي، يتضح التوازن الدقيق بين الجرأة والحكمة. فبناء قدرات الجيش المصري وتحديث تسليحه لم يكن خطوة استعراضية، بل جزء من رؤية استراتيجية لتعزيز الردع وحماية الحدود في إقليم يموج بالاضطرابات.
الجرأة تمثلت في المضي قدماً في هذا المسار رغم الأصوات المشككة، ورغم الكلفة العالية. لكن الحكمة تجلت في أن هذه القوة لم تتحول إلى أداة اندفاع نحو صراعات مفتوحة، بل بقيت قوة منضبطة، تُستخدم كرسالة ردع واستقرار، لا كوسيلة مغامرة.
هذا التوازن ظهر بوضوح في تعامل الدولة المصرية مع أزمات إقليمية متلاحقة. ففي وقت انجرفت فيه أطراف عدة إلى مواجهات مباشرة أو بالوكالة، حافظت مصر على سياسة تقوم على تثبيت دعائم الدولة الوطنية، ودعم الحلول السياسية، وتجنب الانخراط في حروب تستنزف الموارد وتفتح جبهات جديدة.
إن امتلاك القوة دون التسرع في استخدامها هو أرقى صور الحكمة، وهو في الوقت نفسه أسمى معاني الجرأة؛ لأن ضبط النفس في لحظة الاستفزاز يحتاج إلى شجاعة لا تقل عن شجاعة المواجهة.
أما التجرد، فهو الخيط الذي يربط هذه السمات جميعاً. التجرد يعني أن يكون القرار موجهاً باعتبارات المصلحة العامة، لا بحسابات الشعبية أو الرغبة في كسب التأييد اللحظي. ويعني أيضاً تحمل المسؤولية كاملة، سواء في النجاحات أو في التحديات. في خطاباته المتعددة،
كثيراً ما أكد الرئيس أن ما يُتخذ من قرارات إنما يستهدف الحفاظ على الدولة وبناء مستقبلها، حتى لو بدا الطريق شاقاً في الحاضر. هذا الإصرار على البناء، مع الاستعداد لتحمل النقد، يعكس قدراً من الإخلاص يجعل الجرأة منضبطة، والحكمة فاعلة وليست سلبية.
إن الجمع بين الجرأة والحكمة ليس أمراً نظرياً، بل ممارسة يومية في إدارة الدولة. فالحكيم وحده قد يكتفي بالمراقبة، والجريء وحده قد يندفع دون حساب، أما القائد الذي يجمع الصفتين،
فإنه يتحرك حين يجب التحرك، ويتريث حين يكون التريث هو القرار الأشجع. في هذا الإطار، يمكن فهم نموذج السيسي كحكيم جريء متجرد: يبني في الداخل بإصرار، ويحصن الدولة بقوة، ويضبط الإيقاع في الخارج بعقلانية.
وفي زمن تتسارع فيه الأحداث وتتغير موازين القوى، تظل الحاجة قائمة إلى قيادة توازن بين العاطفة والعقل، بين الطموح والواقعية، بين القوة وضبط النفس. هذا التوازن هو ما يمنح الشعوب شعوراً بالثبات وسط العواصف،
ويجعل مسار الدولة قائماً على رؤية لا على رد فعل. ومن هنا تتجلى قيمة «جرأة الحكماء» حين تتحول من فكرة نظرية إلى ممارسة سياسية تحكم القرار، وتصوغ ملامح الحاضر، وترسم طريق المستقبل.
حفظ الله مصر حفظ الله الوطن حفظ الله الجيش المصري ورحم الله شهدائنا الابرار :







