بقلم حسن النجار .. في عيدها .. الأم.. بداية الحياة وأساس بناء الأمة
الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار رئيس تحرير الوطن اليوم الاخبارية - عضو المكتب الفني للشؤون السياسية الدولية
الوطن اليوم الإخبارية – من القاهرة – مقالات ورأي – 21 مارس 2026

بقلم | حسن النجار
كل عام وكل أم بخير.. كل عام وأنتِ الحياة إلى من كانت البداية لكل شيء جميل، إلى من صنعت المعنى الحقيقي للحب دون انتظار مقابل، إلى القلب الذي يفيض حنانًا، والعطاء الذي لا يعرف حدودًا، إلى اليد التي تمسح الألم فيصير طمأنينة، وإلى الدعاء الذي يسبق الخطى فيمهد الطريق،
نرفع أسمى آيات التقدير والامتنان في يومها، عرفانًا بما قدمته من تضحيات، وما غرسته من قيم، وما منحته من دفء يسكن الروح، وما بثته من أمان يجعل العالم أقل قسوة وأكثر رحمة.
أنتِ الحكاية التي تبدأ بها الحياة، والدعاء الذي يفتح له باب السماء، والنور الذي لا يخفت مهما تعاقبت الأيام، والظل الذي نلوذ به كلما اشتد علينا وهج الحياة، والنبض الذي يعلمنا كيف نحب، وكيف نصبر، وكيف ننهض أقوى من جديد، أنتِ الذاكرة التي لا تغيب، والوطن الذي يسكننا أينما ذهبنا،
واليقين الذي لا يتزعزع في قلوبنا مهما تغيرت الظروف، حفظ الله أمهاتنا، وأدام وجودهن نورًا في حياتنا، ورحم من رحل عنا، وجعل عطائهن أثرًا ممتدًا كالعطر في الذاكرة وجزى الله كل أم عن رسالتها السامية خير الجزاء، كل عام وأنتِ الخير كله.
يعد بر الوالدين أحد المرتكزات الكبرى في البناء الأخلاقي، وقد جاء اقترانه بتوحيد الله تعالى في النص القرآني دلالة على رسوخ أثره في تشكيل الضمير الإنساني، قال تعالى ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: 23)، وهو اقتران يكشف عن وحدة المنظومة القيمية،
وفي قلب هذا البناء القيمي، تتبوأ الأم مكانة خاصة فهي الحاضنة الأولى للإنسان، والمصدر الأول لتشكل وعيه وسلوكه، وهذا يؤسس لفهم أعمق لمركزية دور الأم في تكوين الإنسان جسديًا ونفسيًا وقيميًا، ومن ثم جاء تأكيد النبي ﷺ على تقديم الأم في البر ثلاث مرات، في حديثه الشريف (أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك)، تعبيرًا عن هذا الدور الوجودي والتربوي الذي تنهض به.
وتتمثل الأم في بناء الوعي القيمي للأبناء، فهي البيئة الأولى التي يتلقى فيها الطفل مفاهيم الخير والشر، والحق والباطل، عبر التفاعل اليومي والممارسة الحية حيث تتشكل البذور الأولى لما يمكن تسميته بالضمير الأخلاقي، فالأم تبث في أبناءها بشكل واعٍ منظومة من القيم التي تصبح لاحقًا مرجعية لسلوكهم،
ومن ثم فهي فاعلًا رئيسًا في إنتاج المناعة القيمية، التي تحمي الإنسان من الانحرافات الفكرية والسلوكية، وتمنحه القدرة على التمييز والاختيار؛ إذا كان المجتمع في جوهره انعكاسًا لنوعية الأفراد الذين يتكون منهم، فإن هؤلاء الأفراد هم نتاج عملية تنشئة تبدأ داخل الأسرة، وتقوم الأم فيها بالدور الأكثر تأثيرًا،
وتغرس في أبنائها قيم الانتماء والولاء للوطن، وتدفعهم إلى العمل والإنتاج، كما تؤسس لثقافة احترام القانون، وتقدير العمل، وتحمل المسؤولية، وبالتالي تصبح الأم شريكًا أساسيًا في بناء الدولة، عبر إعداد الإنسان القادر على البناء والتنمية.
وتمثل الأسرة الوحدة الأساسية في البناء الاجتماعي، ويعد تماسكها شرطًا ضروريًا لاستقرار المجتمع، حيث تضطلع الأم بدور محوري في تعزيز التماسك الأسري، من خلال ما تبثه من مشاعر الحنان، وما تمارسه من احتواء وتواصل إيجابي بين أفراد الأسرة،
فهي مركز التوازن العاطفي الذي يمنح الأسرة إحساسها بالأمان، ويوفر مناخًا نفسيًا يساعد على النمو السليم، كما تسهم في إدارة العلاقات داخل الأسرة، وحل النزاعات، وتقريب وجهات النظر، بما يعزز روح التعاون والتفاهم، ويمتد دورها إلى شبكة العلاقات الاجتماعية الأوسع،
حيث تسهم في تقوية صلة الرحم، وترسيخ ثقافة التراحم والتواصل، بما يحول دون التفكك الاجتماعي، وهكذا، تصبح الأم عنصرًا فاعلًا في بناء رأس المال الاجتماعي الذي تقوم عليه المجتمعات المتماسكة.
الجنة تحت اقدام الامهات – حفظ الله مصر –






