بقلم حسن النجارشؤون سياسيةمقالات ورأى

بقلم حسن النجار  : هدنة إيران فرصة لإنقاذ الاقتصاد المصري من تداعيات الحرب

الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار وعضو المكتب الفني للشؤون الدولية

الوطن اليوم الاخبارية – شؤون سياسية – 9 ابريل 2026 

بقلم | حسن النجار 

شهدت الساحة الدولية خلال الأيام الماضية تطورًا مهمًا بعدما قرر الرئيس الأمريكي تعليق العمليات العسكرية في إيران لمدة أسبوعين، في محاولة لفتح نافذة دبلوماسية قد تفضي إلى تسوية سياسية تحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف وتجنب المنطقة مزيدًا من التصعيد. وتعد هذه الخطوة،

رغم محدوديتها الزمنية، مؤشرًا إيجابيًا على إمكانية تهدئة الأوضاع واحتواء الأزمة التي كلفت دول الشرق الأوسط أثمانًا باهظة على مختلف المستويات.

ولا شك أن مشاركة مصر في الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تثبيت الهدنة تمثل نجاحًا سياسيًا مهمًا يعكس دورها المحوري في دعم الاستقرار الإقليمي،

خاصة في ظل التوترات المتصاعدة التي تهدد أمن المنطقة واقتصادها. فالقاهرة لطالما تبنت سياسة تقوم على التهدئة والحلول السياسية ورفض الانزلاق إلى صراعات عسكرية مفتوحة، وهو ما يعزز مكانتها كطرف رئيسي في إدارة الأزمات الإقليمية.

لكن على الجانب الآخر، فإن التداعيات الاقتصادية للحرب كانت قاسية على مصر، حيث ارتفعت أسعار البترول والغاز الطبيعي بشكل كبير، وتراجعت عائدات السياحة وقناة السويس، كما تأثرت تدفقات الاستثمارات الأجنبية وخروج جزء من الأموال الساخنة،

وهو ما شكل ضغطًا واضحًا على الاقتصاد الوطني. والأخطر أن انتهاء الحرب أو توقفها لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة الاقتصادية، لأن بعض آثارها تمتد لفترات طويلة، خاصة فيما يتعلق بحركة السياحة والملاحة العالمية.

ومن هنا، يصبح من الضروري التفرقة بين الإجراءات العاجلة التي اتخذتها الحكومة خلال الأزمة، وبين الإصلاحات الهيكلية طويلة المدى التي يحتاجها الاقتصاد المصري.

فقد تعاملت الحكومة بسرعة مع تداعيات الحرب من خلال إجراءات لترشيد الإنفاق وتقليل استهلاك الطاقة وضبط الأسواق، كما لعب البنك المركزي دورًا مهمًا في الحفاظ على استقرار سوق الصرف واحتواء التذبذبات العالمية، وهي خطوات تستحق التقدير رغم الحاجة إلى تطويرها.

إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية اقتصادية أكثر عمقًا وشمولًا، لأن التحديات لم تعد مرتبطة بالحرب فقط، بل بالمشكلات الهيكلية المزمنة التي يعاني منها الاقتصاد منذ سنوات،

مثل توسع دور الدولة في بعض القطاعات الاقتصادية، وضعف مساهمة القطاع الخاص، وانتشار التهرب الضريبي، وتعقيدات الإجراءات البيروقراطية، وغياب خطة صناعية طويلة المدى، إضافة إلى الحاجة إلى ترشيد الإنفاق العام وتوجيهه نحو القطاعات الإنتاجية والخدمية الأساسية.

كما أن هناك متغيرات جديدة قد تزيد من صعوبة المشهد الاقتصادي، من بينها احتمال استمرار ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وزيادة الحاجة إلى الإنفاق الاجتماعي لمواجهة ارتفاع الأسعار ودعم الفئات الأكثر احتياجًا، إلى جانب عدم وضوح موقف بعض الدول الداعمة اقتصاديًا في ظل التحالفات الإقليمية المتغيرة.

إن هذه التحديات تفرض ضرورة الإسراع في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي شامل يقوم على دعم الإنتاج المحلي، وتحفيز الاستثمار، وتمكين القطاع الخاص، وتعزيز العدالة الضريبية،

وتطوير الصناعة والسياحة، وتحقيق التوازن بين الحماية الاجتماعية والانضباط المالي. فالمطلوب اليوم ليس فقط إدارة الأزمة، بل بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الصدمات العالمية.

وفي النهاية، تبقى الهدنة الحالية فرصة حقيقية لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأولويات، لكنها لن تكون كافية وحدها لإنقاذ الاقتصاد المصري ما لم يصاحبها إصلاح اقتصادي جاد وتنفيذ حقيقي للخطط المعلنة.

فالمستقبل لن ينتظر، والفرص تضيع سريعًا، وما تحتاجه مصر الآن هو التحرك بثبات نحو إصلاح شامل يضمن الاستقرار والتنمية المستدامة.

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى