بقلم – حسن النجار – حين يتجدد الفرح من جذور التاريخ
الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار عضو المكتب الفني للشؤون الدولية - رئيس تحرير الوطن اليوم
الوطن اليوم الاخبارية – مقال راي – 14 ابريل 2026
بقلم : حسن النجار
في مصر، لا تُختزل الأعياد في كونها مناسبات دينية أو اجتماعية عابرة، بل تتحول إلى مرآة حية لهوية ضاربة في عمق التاريخ. فبين احتفال الأقباط بـ عيد القيامة المجيد وخروج المصريين جميعًا للاحتفاء بـ شم النسيم، تتجسد حالة فريدة من التلاحم بين العقيدة والوجدان الشعبي، وبين الروح الدينية والإرث الحضاري.
يمثل عيد القيامة المجيد ذروة التقويم المسيحي، حيث يرمز إلى قيامة السيد المسيح، بوصفها انتصارًا للحياة على الموت. ويسبق هذا العيد صوم طويل يُعرف بالصوم الكبير، يمتد لنحو 55 يومًا، يلتزم خلاله الأقباط بطقوس روحية تقوم على الزهد والانضباط والتأمل، في رحلة إيمانية تعكس عمق التجربة الدينية.
وتتجلى أهمية العيد في تسلسله الروحي الغني بالدلالات؛ بداية من أحد السعف، مرورًا بخميس العهد والعشاء الأخير، وصولًا إلى الجمعة العظيمة التي تجسد ذروة الألم، قبل أن يشرق فجر القيامة حاملًا بشائر الخلاص. هذا التسلسل يمنح العيد بُعدًا إنسانيًا عميقًا، قائمًا على فكرة أن الفرج يولد من رحم المعاناة، وأن الأمل لا يكتمل إلا بعد اختبار الصبر.
وعلى الجانب الآخر، يأتي شم النسيم كواحد من أقدم الأعياد في التاريخ، تعود جذوره إلى الحضارة المصرية القديمة، حيث ارتبط ببداية فصل الربيع وتجدد الحياة. ورغم طابعه غير الديني، فقد أصبح مناسبة جامعة لكل المصريين، تتجاوز الفوارق وتؤكد وحدة النسيج الوطني.
تحمل طقوس شم النسيم دلالات رمزية ممتدة عبر العصور؛ فالبيض الملون يعبر عن الخلق والبدايات الجديدة، بينما ارتبط البصل الأخضر قديمًا بطرد الشرور، ويعكس تناول الفسيخ والرنجة امتدادًا لطرق حفظ الطعام لدى المصري القديم. كما تحضر مفردات البيئة البسيطة، مثل البلح والجوافة، لتعيد للأذهان صورة الاحتفال بالحياة في أبسط صورها.
وفي الثقافة الشعبية، تتردد مفاهيم مثل “العسف” للدلالة على الشدة التي تسبق الفرج، وهو انعكاس رمزي لفكرة إنسانية متجذرة: أن الفرح لا يولد إلا بعد معاناة. وهي الفكرة ذاتها التي تتكرر في الصوم قبل العيد، وفي انتظار الربيع بعد قسوة الشتاء.
خصوصية المشهد المصري لا تكمن فقط في تنوع المناسبات، بل في طبيعة التفاعل معها؛ حيث يشارك المسلمون الأقباط أفراحهم، ويخرج الجميع معًا للاحتفال بشم النسيم، في صورة تعكس تماسكًا اجتماعيًا نادرًا، يتجاوز الانتماءات الدينية ويؤكد وحدة المصير.
إن هذا التداخل بين البعد الروحي لعيد القيامة والجذور الحضارية لشم النسيم، يقدم نموذجًا حيًا لقدرة المجتمع المصري على الحفاظ على توازنه الثقافي، وعلى إعادة إنتاج وحدته عبر الزمن، في مشهد تتناغم فيه الخصوصية مع الشمول.
في مصر، الأعياد ليست مجرد محطات زمنية، بل هي تعبير متجدد عن مجتمع يعرف كيف يصوغ الفرح من عمق تاريخه، ويحوّل التنوع إلى حالة انسجام فريدة تستحق التأمل.
حفظ الله مصر حفظ الله الوطن حفظ الله الجيش المصري ورحم الله شهدائنا الابرار ؟؟







