الشؤون السياسية الدوليةبقلم حسن النجار

بقلم حسن النجار: الحرب على إيران وتحولات النظام العالمي

الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار رئيس تحرير موقع الوطن اليوم وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية الدولية

الوطن اليوم الاخبارية – من القاهرة – الشؤون السياسية الدولية – 17 مارس 2026 

بقلم | حسن النجار 

تشهد منطقة الشرق الأوسط لحظة فارقة في تاريخها السياسي مع تصاعد الحديث عن الحرب على إيران، وهي لحظة لا يمكن قراءتها فقط في إطار صراع عسكري تقليدي أو مواجهة سياسية عابرة.

فالمعطيات المتراكمة على الأرض تشير إلى أن ما يحدث يتجاوز حدود الصراع المباشر ليعكس تحولات أعمق في موازين القوى الإقليمية والدولية، ويضع المنطقة أمام مفترق طرق قد يعيد رسم خريطة النفوذ والتحالفات خلال السنوات المقبلة.

إن القراءة المتأنية للمشهد تكشف أن هذه الحرب، في حال اتسع نطاقها، لن تكون مجرد محاولة لإضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، بل تبدو جزءًا من سياق أوسع يتصل باستراتيجيات دولية أعلنتها الولايات المتحدة في فبراير 2025،

والتي تتضمن إعادة صياغة التوازنات في الشرق الأوسط بما يتوافق مع متغيرات النظام العالمي الجديد. ومن هنا، فإن فهم طبيعة الصراع يتطلب النظر إلى أبعاده الاستراتيجية وليس الاكتفاء بمتابعة التطورات الميدانية اليومية.

وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من العوامل المتداخلة التي تشكل محركات خفية للتصعيد. فهناك البعد الأيديولوجي الذي يعكس صراع الرؤى والنماذج السياسية في المنطقة، إلى جانب البعد التكنولوجي الذي بات أكثر تأثيرًا مع صعود شركات الذكاء الاصطناعي وتنامي دورها في الاقتصاد العالمي وصناعة القرار.

كما لا يمكن إغفال دور المؤسسات المالية الكبرى والشبكات الاقتصادية العابرة للحدود، التي قد تجد في أجواء التحولات الجيوسياسية فرصة لإعادة تشكيل مراكز القوة الاقتصادية والنفوذ المالي.

كما أن بعض التصورات الدينية والثقافية تسهم بدورها في تغذية حالة الاستقطاب، وهو ما يجعل المشهد أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل المصالح السياسية مع الاعتبارات الفكرية والدينية في تشكيل مسار الأحداث.

ولهذا فإن القوى الفاعلة في هذه الأزمة، رغم اختلاف أهدافها النهائية، قد تجد نفسها تلتقي عند نقطة مشتركة تتمثل في استثمار التصعيد لتحقيق مكاسب استراتيجية طويلة المدى.

ومن هنا تبرز خطورة الاكتفاء بمتابعة التفاصيل اليومية للحرب أو الانشغال بالتحليلات السطحية للأحداث. فالتعامل مع الأزمة يتطلب رؤية أعمق تستوعب طبيعة التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، وتدرك أن المنطقة قد تكون مقبلة على مرحلة إعادة تشكيل شاملة للنظام الإقليمي.

إن المرحلة الراهنة تفرض على صناع القرار والمفكرين والباحثين قراءة المشهد بوعي استراتيجي، لأن فهم الأبعاد الحقيقية للصراع قد يكون هو المفتاح الأساسي ليس فقط لتفسير ما يحدث، بل أيضًا للبحث عن مسارات واقعية للحل وتجنب الانزلاق إلى فوضى إقليمية واسعة.

وفي ضوء ذلك، يصبح من الضروري أن تتجه الجهود الدولية والإقليمية نحو احتواء التوتر ومنع تحوله إلى صراع مفتوح قد تتجاوز تداعياته حدود المنطقة. فالحروب الكبرى غالبًا ما تبدأ بحسابات محدودة لكنها تنتهي بآثار واسعة يصعب التحكم فيها.

ومن هنا فإن بناء مسارات للحوار وتفعيل الدبلوماسية متعددة الأطراف قد يمثلان أحد أهم المفاتيح لتفادي الانفجار الشامل، خاصة في ظل عالم يشهد تغيرات متسارعة في موازين القوى والتكنولوجيا والاقتصاد.

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى