بقلم حسن النجار – مصر ودورها في استقرار الشرق الأوسط
الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار رئيس تحرير الوطن اليوم وعضو المكتب الفني للشؤون الدولية
الوطن اليوم – 8 يونيو 2026 – الشؤون السياسية الدولية
بقلم | حسن النجار
في لحظات التحولات الكبرى في تاريخ الأمم، لا تُقاس قوة الدول فقط بحجم ما تمتلكه من موارد أو أدوات القوة التقليدية، بل بقدرتها على فهم المتغيرات المتسارعة، واستيعاب طبيعة التهديدات، وصياغة رؤى استراتيجية تحول التحديات إلى فرص، والفوضى إلى استقرار، والأزمات إلى مسارات بناء وتنمية مستدامة.
اليوم، يمر الشرق الأوسط بمرحلة من أكثر مراحله اضطرابًا خلال العقود الأخيرة؛ إذ ما تزال الحرب في غزة تلقي بظلالها الثقيلة على الإقليم، بينما يواصل الصراع في السودان تهديد أحد أهم أركان الأمن القومي العربي، في وقت لم تصل فيه الأزمة الليبية إلى تسوية سياسية نهائية تعيد للدولة مؤسساتها كاملة. وإلى جانب ذلك،
تتصاعد التوترات في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، لتتشابك مع تداعيات المواجهات الإقليمية والدولية التي تنذر بإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
في قلب هذا المشهد المعقد، تبرز مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي كأحد أهم ركائز التوازن الإقليمي، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي وثقلها التاريخي والديموغرافي، ولكن أيضًا بفضل رؤية سياسية واضحة تقوم على دعم الدولة الوطنية، والحفاظ على استقرار الإقليم، ومنع انزلاق المنطقة إلى سيناريوهات الفوضى الشاملة.
لقد أدركت الدولة المصرية مبكرًا أن التهديد الأخطر الذي يواجه المنطقة لا يتمثل فقط في الحروب المسلحة، بل في انهيار مفهوم الدولة ذاته. فالتجارب الإقليمية خلال السنوات الماضية أثبتت أن تفكك المؤسسات الوطنية يفتح الباب أمام الفوضى والإرهاب والميليشيات والتدخلات الخارجية، ويحوّل الدول إلى ساحات مفتوحة للصراعات الدولية.
ومن هذا المنطلق، تبنت مصر مبدأً استراتيجيًا ثابتًا يقوم على أن الدولة الوطنية هي خط الدفاع الأول عن الأمن والاستقرار والتنمية، وهو ما انعكس بوضوح في مواقفها تجاه مختلف أزمات المنطقة.
في القضية الفلسطينية، لم يقتصر الدور المصري على التحرك الدبلوماسي التقليدي، بل امتد ليصبح دورًا محوريًا في إدارة الأزمة. فقد رفضت القاهرة بشكل قاطع أي محاولات تستهدف تهجير الفلسطينيين أو تصفية القضية أو تغيير التركيبة السكانية لقطاع غزة، مؤكدة التزامها بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.
كما لعبت مصر دور الوسيط الرئيسي في جهود وقف إطلاق النار، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، والتنسيق بين الأطراف الدولية، بما عزز من مكانتها كقوة إقليمية قادرة على إدارة الملفات الأكثر تعقيدًا.
وفي ليبيا، انطلقت الرؤية المصرية من اعتبار أن استقرار الدولة الليبية جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري. لذلك دعمت القاهرة مسار الحل السياسي الليبي–الليبي، ورفضت كل أشكال التدخل الخارجي، وطالبت بخروج المرتزقة والقوات الأجنبية، مع دعم جهود إعادة الإعمار واستعادة مؤسسات الدولة.
أما في السودان، فقد جاء الموقف المصري متسقًا مع عمق العلاقات التاريخية والجغرافية بين البلدين، حيث تعتبر القاهرة أن استقرار السودان يمثل امتدادًا مباشرًا لأمن وادي النيل. ومن ثم، دعمت مصر وحدة الدولة السودانية، ورفضت أي محاولات لتقسيمها أو خلق كيانات موازية، وسعت إلى دفع الأطراف نحو تسوية سياسية تحفظ سيادة الدولة ومؤسساتها.
وفي القرن الأفريقي، تبنت مصر سياسة واضحة تقوم على دعم وحدة الصومال وسيادته، إدراكًا لأهمية هذه المنطقة في معادلة الأمن الإقليمي وأمن البحر الأحمر، مع تعزيز التعاون السياسي والأمني بما يخدم المصالح العربية في هذه المنطقة الحيوية.
في المقابل، يشكل تصاعد التوترات المرتبطة بالمواجهة الأمريكية – الإسرائيلية – الإيرانية أحد أخطر التحديات أمام استقرار المنطقة، لما قد يترتب عليها من تداعيات تمتد إلى أمن الخليج العربي، والبحر الأحمر، وأسواق الطاقة العالمية.
وقد تعاملت مصر مع هذه التطورات من منطلق الدولة المسؤولة التي تدرك خطورة التصعيد. فهي من ناحية تؤكد دعمها لأمن الدول العربية ورفضها لأي اعتداء على سيادتها، ومن ناحية أخرى تتمسك بخيار الحلول السياسية والدبلوماسية، وتدعو إلى ضبط النفس وتجنب الانزلاق نحو مواجهة شاملة.

ولا يقتصر الدور المصري على إدارة الأزمات فقط، بل يمتد إلى رؤية أشمل تربط بين الأمن والاستقرار والتنمية. فالدولة التي تعاني من الفقر والبطالة وضعف البنية التحتية تصبح أكثر عرضة للتطرف وعدم الاستقرار، وهو ما يدفع نحو ضرورة بناء اقتصاد قوي كجزء من منظومة الأمن القومي.
ولهذا، شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة تنفيذ مشروعات قومية كبرى في مجالات البنية التحتية، والطاقة، والنقل، والمدن الجديدة، والتحول الرقمي، باعتبارها استثمارًا مباشرًا في الاستقرار والتنمية وبناء مستقبل الدولة.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه العالم العربي اليوم لا يكمن فقط في إدارة الأزمات الحالية، بل في القدرة على منع تكرارها مستقبلًا، وهو ما يتطلب التحول من منطق رد الفعل إلى منطق صناعة المستقبل.
فالمنطقة العربية تمتلك من المقومات ما يؤهلها لتكون قوة مؤثرة عالميًا، لكنها تحتاج إلى مشروع تكاملي يقوم على التعاون الاقتصادي، وتعزيز الأمن الغذائي والمائي، ودعم التعليم والبحث العلمي، والاستثمار في الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية.
وفي هذا السياق، تبرز مصر كدولة تمتلك الخبرة والقدرة والرؤية للمساهمة في قيادة هذا التحول، ليس من منطق الهيمنة، وإنما عبر بناء الشراكات وتعزيز التعاون وصياغة مصالح مشتركة تحقق الاستقرار والتنمية للجميع.
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي تمتلك رؤية استراتيجية واضحة هي وحدها القادرة على التأثير في مجريات الأحداث، لا مجرد التفاعل معها. ومن هنا تأتي أهمية الدور المصري في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ المنطقة.
وفي النهاية، لا يتذكر التاريخ فقط من خاض الحروب، بل يتذكر أيضًا من منعها، وحافظ على الدول، ومهّد الطريق لأجيال قادمة أكثر أمنًا واستقرارًا وازدهارًا.
حفظ الله مصر وحفظ الله الوطن وحفظ الله الجيش المصرى والشرطة المدنية ورحم الله شهدائنا الابرار ؟







