حسن النجار يكتب – التصعيد الإيراني الأمريكي وتحولات موازين القوى الإقليمية والدولية
المفكر السياسي في الشؤون الدولية حسن النجار رئيس تحرير الوطن اليوم
حسن النجار – يكتب
يشهد الشرق الأوسط مرحلة بالغة الحساسية مع تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، في أزمة تجاوزت حدود الخلاف حول البرنامج النووي لتتحول إلى صراع استراتيجي يمتد تأثيره إلى أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي.
ولم تعد المواجهة مقتصرة على الملف النووي، بل أصبحت ترتبط بموازين النفوذ الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، ومستقبل التحالفات في الشرق الأوسط.
تعتمد إيران على استراتيجية الردع غير التقليدي، من خلال تطوير قدراتها الصاروخية وتوسيع نفوذها عبر حلفائها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، بهدف رفع كلفة أي مواجهة عسكرية مباشرة. وفي المقابل،
تواصل الولايات المتحدة سياسة تقوم على مزيج من الضغوط الاقتصادية والردع العسكري، مع الإبقاء على باب التفاوض مفتوحًا، إدراكًا منها أن أي حرب شاملة ستكون باهظة الثمن على جميع الأطراف.
ويكشف المشهد الحالي عن حالة من توازن الردع، حيث لا تستطيع واشنطن حسم الصراع عسكريًا دون خسائر استراتيجية واقتصادية كبيرة،
كما لا تملك طهران القدرة على تحمل تداعيات مواجهة مباشرة مع القوة العسكرية الأمريكية. هذا التوازن يجعل احتمالات التصعيد قائمة، لكنه في الوقت نفسه يمنح الدبلوماسية فرصة لتجنب الانفجار.
إقليميًا، أصبحت إيران لاعبًا رئيسيًا في معادلات الشرق الأوسط، مستفيدة من حضورها السياسي والعسكري في عدد من الساحات، بينما تعمل الولايات المتحدة على تعزيز تحالفاتها مع شركائها الإقليميين للحفاظ على توازن القوى ومنع تمدد النفوذ الإيراني.
وفي الوقت ذاته، تتابع كل من روسيا والصين تطورات الأزمة بحذر، انطلاقًا من مصالحهما الاستراتيجية والاقتصادية في المنطقة.
وعلى الصعيد الداخلي، تواجه إيران ضغوطًا اقتصادية متزايدة بفعل العقوبات، لكنها لا تزال قادرة على توظيف هذه الضغوط لتعزيز خطابها السياسي الداخلي. أما في الولايات المتحدة، فتؤثر الحسابات السياسية والانقسامات الداخلية في رسم ملامح السياسة تجاه إيران، خاصة مع ارتباط الملف بالأمن القومي والمصالح الدولية.
وخلال المرحلة المقبلة، تبدو ثلاثة سيناريوهات رئيسية الأكثر ترجيحًا. الأول يتمثل في استمرار التصعيد المحدود وتبادل الضغوط دون اندلاع حرب شاملة، وهو السيناريو الأقرب للواقع. أما الثاني فيقوم على العودة إلى طاولة المفاوضات إذا توافرت الإرادة السياسية لدى الطرفين،
بينما يظل السيناريو الثالث، وهو المواجهة العسكرية المحدودة، احتمالًا قائمًا لكنه الأقل ترجيحًا بسبب كلفته الباهظة على أمن المنطقة وأسواق الطاقة العالمية.
وفي المحصلة، لم تعد الأزمة الإيرانية الأمريكية مجرد خلاف سياسي أو نووي، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لمستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فاستمرار التوتر يعكس تحولات أوسع في موازين القوى الدولية،
ويؤكد أن الاستقرار لن يتحقق إلا عبر تفاهمات سياسية وأمنية جديدة تراعي مصالح جميع الأطراف، بعيدًا عن منطق التصعيد والمواجهة المفتوحة.








