أخبار عربية

اتفاق نووي سعودي أمريكي تاريخي يعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط ويثير تساؤلات استراتيجية كبرى

كتب | محمد حجازي

في خطوة وُصفت بأنها من أبرز التحولات في العلاقات الأمريكية السعودية خلال العقود الأخيرة، وقّعت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية اتفاقًا استراتيجيًا للتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، وهو اتفاق اعتبرته صحيفة نيويورك تايمز “انتصارًا سياسيًا” لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، و”تنازلًا أمريكيًا” عن نهج استمر لعقود في سياسة منع الانتشار النووي.

ويأتي الاتفاق بعد سنوات من المفاوضات، ليمنح المملكة فرصة تطوير برنامج نووي مدني بالتعاون مع الولايات المتحدة، مع فتح المجال لدراسة مشتركة بشأن تخصيب اليورانيوم داخل الأراضي السعودية، في إطار شراكة طويلة الأمد تمتد لنحو 30 عامًا.

تحول لافت في السياسة الأمريكية

يمثل الاتفاق تحولًا مهمًا في السياسة الأمريكية الخاصة بالتعاون النووي، إذ يختلف عن الاتفاق الذي أبرمته واشنطن مع الإمارات عام 2009، والذي تضمن التزامًا بعدم تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة البلوتونيوم محليًا فيما عُرف آنذاك بـ”المعيار الذهبي” للحد من الانتشار النووي.

ويرى مراقبون أن موافقة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هذا الإطار الجديد تعكس تغيرًا في أولويات واشنطن، التي تسعى إلى تعزيز شراكتها الاستراتيجية مع الرياض، في ظل المنافسة المتزايدة مع الصين وروسيا على مشروعات الطاقة النووية في المنطقة.

مكاسب استراتيجية للرياض

بحسب التقرير، يمثل الاتفاق ثمرة مساعٍ قادها الأمير محمد بن سلمان على مدار أكثر من خمس سنوات، بهدف دعم برنامج المملكة للطاقة النووية السلمية، وتعزيز خطط تنويع الاقتصاد ضمن مستهدفات “رؤية السعودية 2030″، إلى جانب ترسيخ مكانة المملكة كقوة إقليمية تمتلك أحدث التقنيات في مجال إنتاج الطاقة.

وترى كارين يونج، الباحثة في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، أن الاتفاق يمنح السعودية مكاسب سياسية واستراتيجية، إلى جانب دوره في دعم قطاع الكهرباء، مؤكدة أن امتلاك المملكة لهذه التكنولوجيا يعزز مكانتها الإقليمية ويمنحها قدرة أكبر على مواكبة التطورات التقنية في المنطقة.

فوائد اقتصادية لواشنطن

على الجانب الأمريكي، يفتح الاتفاق الباب أمام استثمارات وعقود ضخمة للشركات الأمريكية العاملة في قطاع الطاقة النووية، وفي مقدمتها شركة “ويستنجهاوس”، كما يعزز فرص واشنطن في الحفاظ على نفوذها داخل السوق السعودية، ويحد من فرص المنافسين الدوليين، خاصة الصين وروسيا، في هذا القطاع الحيوي.

أبعاد أمنية وإقليمية

توقيع الاتفاق يأتي في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تحديات أمنية متزايدة، وهو ما يمنح التعاون الأمريكي السعودي بعدًا استراتيجيًا يتجاوز الجانب الاقتصادي، إذ ترى الرياض أن توسيع المصالح الأمريكية داخل المملكة يعزز من التزام واشنطن بالحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها.

ورغم أن الاتفاق لا يزال بحاجة إلى موافقة الكونجرس الأمريكي، فإن تقديرات عديدة ترجح إمكانية إقراره، في ظل ما يحققه من مصالح مشتركة للطرفين.

مخاوف من سباق نووي إقليمي

في المقابل، أثار الاتفاق نقاشًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والدبلوماسية، حيث حذر عدد من الخبراء من أن منح السعودية حق تطوير قدرات متقدمة في مجال الوقود النووي قد يدفع دولًا أخرى في المنطقة إلى السعي للحصول على تقنيات مماثلة، بما قد يفتح الباب أمام سباق تكنولوجي نووي جديد في الشرق الأوسط.

وترى دينا إسفندياري، رئيسة قسم الاقتصاد الجيوسياسي للشرق الأوسط في “بلومبرج إيكونوميكس”، أن الاتفاق يمثل تنازلًا أمريكيًا مهمًا لصالح السعودية، في وقت كانت فيه الرياض تسعى للحصول على ضمانات وشراكات استراتيجية أوسع مع واشنطن.

وفي المقابل، يشير التقرير إلى أن بعض المعارضين للاتفاق يستندون إلى تصريحات سابقة لولي العهد السعودي أكد فيها أن المملكة ستسعى إلى امتلاك قدرات نووية إذا امتلكت إيران سلاحًا نوويًا، وهو ما يزيد من المخاوف بشأن مستقبل التوازنات الأمنية في المنطقة.

ويرى محللون أن الاتفاق، في حال دخوله حيز التنفيذ، قد يشكل نقطة تحول في خريطة العلاقات الاستراتيجية بالشرق الأوسط، مع إعادة رسم موازين القوى النووية والتكنولوجية خلال السنوات المقبلة.

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى