الشؤون السياسية الدوليةبقلم حسن النجار

بقلم حسن النجار – ترامب ونتنياهو بين أزمة القرار وضبابية المواجهة الإيرانية

الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار مستشارا بالمكتب الفني للشؤون الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم

الوطن اليوم – الشؤون السياسية الدولية – الاحد 31 مايو 2026 

بقلم | حسن النجار 

في خضم التصعيد المتواصل بين الولايات المتحدة وإيران، تتزايد علامات الاستفهام حول طبيعة الموقف الأمريكي، خاصة في ظل التصريحات المتباينة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تبدو في كثير من الأحيان بعيدة عن لغة المؤسسات السياسية التقليدية، الأمر الذي يضيف مزيداً من الغموض إلى مشهد دولي وإقليمي شديد التعقيد.

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة اليوم: هل فشل الرئيس ترامب في حسم موقفه بشأن مذكرة التفاهم المحتملة مع إيران رغم المؤشرات الإيجابية التي ظهرت عقب اجتماع غرفة العمليات بالبيت الأبيض؟

أم أن الإدارة الأمريكية تواجه بالفعل أزمة قرار حقيقية نتيجة تضارب الحسابات السياسية والاستراتيجية؟ أم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يمثل العامل الأكثر تأثيراً في تأجيل أي قرار نهائي يتعلق بمستقبل المواجهة؟

المشهد الحالي يكشف عن حالة من الجمود السياسي والعسكري، حيث يتمسك كل طرف بمواقفه دون تقديم تنازلات حقيقية. وفي الوقت الذي يواصل فيه ترامب تعزيز نفوذه داخل الحزب الجمهوري،

تشير العديد من المؤشرات إلى تراجع ملحوظ في شعبيته لدى الناخبين المستقلين وقطاعات واسعة من الرأي العام الأمريكي، خاصة مع تصاعد الجدل حول تداعيات الحرب على إيران وانعكاساتها الاقتصادية والسياسية.

ورغم أن الرئيس الأمريكي يحاول الظهور بمظهر القائد القادر على إدارة الأزمات، فإن التناقض الواضح في تصريحاته وتحركاته يعكس وجود معضلة حقيقية في عملية صنع القرار.

فالإدارة الأمريكية تجد نفسها بين ضغوط داخلية متزايدة، وبين التزامات استراتيجية تجاه إسرائيل، وبين مخاوف من الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة قد تكون لها تكلفة سياسية واقتصادية باهظة.

ومن الواضح أن التباينات الأخيرة بين واشنطن وتل أبيب لم تعد تقتصر على أساليب إدارة الأزمة، بل امتدت إلى طبيعة الأهداف النهائية للحرب نفسها.

فإسرائيل تنظر إلى المواجهة الراهنة باعتبارها فرصة تاريخية لإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، عبر إضعاف إيران عسكرياً واستراتيجياً، وتقليص نفوذها الإقليمي، واستهداف قدراتها الصاروخية والنووية.

في المقابل، تبدو إدارة ترامب أكثر حذراً في التعامل مع هذا السيناريو، إدراكاً منها للمخاطر المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة، وتأثير أي حرب طويلة على الاقتصاد الأمريكي، فضلاً عن التداعيات المحتملة على المشهد الانتخابي الداخلي.

غير أن هذا الحذر لا يمنع استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل، وهو ما يضع ترامب في معادلة شديدة التعقيد بين متطلبات التحالف الاستراتيجي ومقتضيات المصالح الأمريكية المباشرة.

كما أن تيار “أمريكا أولاً”، الذي يمثل أحد أهم ركائز القاعدة الشعبية لترامب، يزداد انزعاجاً من استمرار التوتر والتلويح بحرب مفتوحة في الشرق الأوسط. ويرى كثير من أنصار هذا التيار أن الولايات المتحدة يجب أن تركز على أولوياتها الداخلية بدلاً من الانخراط في صراعات خارجية طويلة الأمد، فيما يذهب بعضهم إلى اتهام ترامب بالخضوع لضغوط نتنياهو وتقديم المصالح الإسرائيلية على حساب المصالح الأمريكية.

في ضوء هذه المعطيات، تبدو الأزمة الحالية أكثر من مجرد مواجهة بين واشنطن وطهران، فهي تعكس صراعاً داخل مراكز صنع القرار الأمريكية حول طبيعة الدور الذي ينبغي أن تلعبه الولايات المتحدة في العالم خلال المرحلة المقبلة.

فهناك من يدعو إلى استعادة النفوذ الأمريكي عبر القوة والردع العسكري، بينما يرى آخرون أن الأولوية يجب أن تكون لتجنب الحروب المكلفة وإدارة التحديات الدولية بأدوات أكثر واقعية.

وفي النهاية، قد لا تكون المشكلة الأساسية في غياب الخيارات أمام الرئيس ترامب، وإنما في صعوبة الاختيار بين مسارات متعارضة، لكل منها كلفته السياسية والاستراتيجية.

لذلك فإن استمرار الضبابية الحالية قد يكون دليلاً على أزمة قرار حقيقية، تتجاوز حدود الملف الإيراني لتكشف حجم التباين بين حسابات البيت الأبيض وطموحات الحكومة الإسرائيلية، في لحظة تعد من أكثر لحظات الشرق الأوسط حساسية وتعقيداً.

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى