سحر ابراهيم – تكتب – من الأب تبدأ الحكاية.. كيف يصنع الرجل نجاح ابنته؟
الكاتبة الصحفية سحر ابراهيم نائب رئيس تحرير الوطن اليوم
سحر إبراهيم – تكتب
لكل فتاة بطل في حياتها، وغالبًا ما يكون الأب هو البطل الأول والأهم في حياة ابنته؛ فهو أول صورة للرجل تتشكل في وجدانها، ومن خلال علاقتها به تتكون كثير من تصوراتها عن الطرف الآخر. فإذا كان الأب حنونًا، صبورًا، داعمًا ومساندًا، انعكست تلك الصفات على نظرتها إلى الرجال، وإذا افتقدت في علاقتها به بعضًا من هذه الصفات، فقد تبحث عنها لاحقًا فيمن حولها.

ومن أجمل الأدوار التي يمكن أن يؤديها الأب في حياة ابنته، أن يكون الداعم الأول لطموحاتها، فيشجعها على النجاح، ويُشعل بداخلها الحماس، ويساعدها على تجاوز العقبات، ولا يمل من تقديم النصيحة والإرشاد، حتى تصبح قادرة على مواجهة الحياة بثقة واستقلالية.
ولو عدنا بذاكرتنا إلى صفحات التاريخ، لوجدنا أن كثيرًا من النساء اللاتي حققن نجاحات بارزة وخلّدن أسماءهن في مختلف المجالات، كان وراءهن آباء آمنوا بقدراتهن، ووقفوا إلى جوارهن في مواجهة العقبات، بل ومهّدوا لهن الطريق وفتحوا الأبواب المغلقة من أجل تحقيق أحلامهن، حتى عندما كانت تلك الأحلام لا تتوافق مع بعض العادات الاجتماعية أو ثقافة المجتمع السائدة في زمانهن.
الرسول الكريم نموذج في دعم وتمكين بناته
ويأتي في مقدمة النماذج الإنسانية العظيمة سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، الذي قدم نموذجًا رفيعًا في تكريم المرأة ورعاية بناته ودعمهن إنسانيًا واجتماعيًا ودينيًا.
فقد كان، صلى الله عليه وسلم، يكرم ابنته السيدة فاطمة رضي الله عنها، ويستقبلها بحفاوة ومحبة، وكان إذا دخلت عليه قام إليها، وأخذ بيدها، وأجلسها في مجلسه، في مشهد يجسد مكانة الابنة وكرامتها داخل الأسرة.
كما حرص النبي، صلى الله عليه وسلم، على إعداد بناته لمواجهة صعوبات الحياة وتحمل مسؤولياتها، وعلى أن يكن شريكات في الحياة الأسرية والمجتمعية، مع احترام آرائهن ومشاعرهن، ومن ذلك حرصه على مراعاة رأي المرأة في شريك حياتها.
والد سميرة موسى.. دعم العلم والطموح
وعندما ننتقل إلى ميدان العلم، نجد نموذجًا بارزًا في شخصية الحاج موسى، والد عالمة الذرة المصرية سميرة موسى، الذي كان له دور مهم في دعم مسيرتها العلمية وتشجيع نبوغها.
فقد ترك قريته سنبو الكبرى بمحافظة الغربية، وانتقل إلى القاهرة من أجل توفير فرص تعليم أفضل لابنته، مؤمنًا بأن العلم هو الطريق الحقيقي لتحقيق طموحها. كما دعم إنتاجها العلمي منذ سنواتها الدراسية الأولى، ومن ذلك اهتمامه بكتابها في علم الجبر خلال المرحلة الثانوية عام 1933.
ولم يكن هذا الدعم مجرد مساعدة مادية، وإنما كان تعبيرًا عن إيمان حقيقي بقدرات ابنته، وهو ما ساعدها على مواصلة طريقها حتى أصبحت واحدة من أبرز العالمات المصريات في القرن العشرين.
والد أم كلثوم.. البداية الأولى لمشوار كوكب الشرق
وفي المجال الفني، لا يمكن إغفال الدور الكبير الذي لعبه الشيخ إبراهيم البلتاجي، والد كوكب الشرق أم كلثوم، في تشكيل شخصيتها الفنية والإنسانية.
فقد حرص على تعليمها القرآن الكريم والإنشاد الديني والتواشيح منذ طفولتها، وساعدها على إتقان النطق ومخارج الألفاظ والإلقاء، كما كان من أوائل من اكتشفوا موهبتها وشجعوها على الإنشاد والغناء وهي في سن صغيرة.
ومع مرور الوقت، ظل والدها مساندًا لها في خطواتها الأولى، وساعدها على مواجهة بعض القيود الاجتماعية التي كانت تفرضها البيئة الريفية آنذاك على الفتيات، لتبدأ من خلال دعمه رحلة طويلة انتهت بأن أصبحت أم كلثوم واحدة من أعظم الأصوات في تاريخ الغناء العربي.
الأب شريك أساسي في صناعة نجاح ابنته
وتؤكد العديد من النماذج التي سجلها التاريخ أن الأب يمكن أن يكون أكبر داعم لابنته، وأكثر الأشخاص قدرة على مساعدتها في مواجهة الحياة وتحقيق طموحاتها وإثبات ذاتها.
فالأب الواعي لا يكون عائقًا أمام طموحات ابنته، ولا يضع العراقيل في طريقها، وإنما يمنحها الثقة، ويؤمن بقدراتها، ويشجعها على التعلم والعمل والنجاح، ويمنحها المساحة اللازمة لاكتشاف قدراتها وصناعة مستقبلها.
ومن هنا، فإن دور الرجل في تمكين المرأة لا يبدأ عند المؤسسات أو مواقع العمل، وإنما يبدأ داخل الأسرة، من خلال أب يؤمن بابنته، ويمنحها الثقة، ويشجعها على أن تحلم، ثم يساعدها على تحويل تلك الأحلام إلى واقع.
فتمكين المرأة ليس معركة بين الرجل والمرأة، وإنما هو نجاح مشترك، يبدأ بالتعاون والتفاهم والإيمان بقدرات كل طرف. والأب الذي يساند ابنته في بداية الطريق، ويقف إلى جوارها حتى تحقق أهدافها، لا يصنع نجاحها فقط، بل يصنع قصة نجاح يحق له أن يفخر بها طوال حياته.
وفي النهاية، يظل الأب الداعم هو أحد أهم مفاتيح نجاح ابنته، لأنه أول من يستطيع أن يقول لها بصدق: أنتِ قادرة على النجاح، وأنا أؤمن بكِ.






