مقالات ورأى

سحر إبراهيم تكتب: ثلاثون يونيو أنقذت الدولة ورسخت الهوية وفتحت أبواب المستقبل المصري

الكاتبة الصحفية سحر ابراهيم نائب رئيس تحرير الوطن اليوم والمختصة في الشؤون السياسية الداخلية

سحر ابراهيم : تكتب 

في كل عام، ومع حلول شهر يونيو، تتجدد في وجدان المصريين ذكرى واحدة من أهم المحطات الفاصلة في تاريخ الدولة الحديثة، حين خرج ملايين المواطنين إلى الشوارع في الثلاثين من يونيو، دون دعوة من حزب أو تنظيم، ودون راية سوى راية الوطن، ليعلنوا بصوت واحد رفضهم لمسار رأوا أنه يهدد هوية الدولة ووحدة مؤسساتها.

لم يكن ذلك المشهد مجرد احتجاج سياسي عابر، بل كان تعبيرًا عن إرادة شعبية واسعة شعرت بأن الدولة المصرية تتعرض لاختبار مصيري، وأن الوطن يبتعد تدريجيًا عن مساره الطبيعي تحت مظلة شرعية لم تعد تعكس إرادة الأغلبية. لذلك جاء الحراك الشعبي ليؤكد أن الشعوب تظل صاحبة الكلمة الأخيرة عندما يتعلق الأمر بمستقبل أوطانها.

واليوم، ونحن نستقبل الذكرى الثالثة عشرة لثورة الثلاثين من يونيو، لم تعد المناسبة مجرد تاريخ يُستعاد في الذاكرة، بل أصبحت فرصة للتأمل في المعاني التي صنعت هذا الحدث. فالأيام قد تمضي، والأرقام تتغير، لكن المواقف الوطنية الكبرى تظل راسخة في وجدان الشعوب، لأنها ترتبط بمصير وطن بأكمله.

ولعل من يقرأ أحداث تلك المرحلة يدرك أن المشهد لم يكن مجرد تجمعات حاشدة في الميادين، وإنما كان لحظة فارقة بين رؤيتين مختلفتين لمستقبل مصر؛ رؤية تؤمن بالدولة الوطنية ومؤسساتها، وأخرى كانت تسير نحو احتكار المجال العام وإقصاء فكرة الشراكة الوطنية. لذلك جاء اختيار المصريين واضحًا في الانحياز إلى الدولة التي تتسع لجميع أبنائها، وتحافظ على وحدتها واستقرارها.

كما أن خصوصية ثورة الثلاثين من يونيو تكمن في أن الإرادة الشعبية سبقت كل شيء. فقد بدأت التحركات من المواطنين أنفسهم عبر حملة “تمرد”، والوقفات الاحتجاجية، والمطالبات بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، حتى وصلت البلاد إلى مرحلة تعذر معها إيجاد مخرج سياسي. وعندها جاء تدخل القوات المسلحة استجابة للمطالب الشعبية، ليُعلن بيان الثالث من يوليو الذي عبّر عن الإرادة الجماهيرية وحافظ على مؤسسات الدولة من الانهيار.

سحر إبراهيم تكتب ثلاثون يونيو أنقذت الدولة ورسخت الهوية وفتحت أبواب المستقبل المصري
سحر إبراهيم تكتب ثلاثون يونيو أنقذت الدولة ورسخت الهوية وفتحت أبواب المستقبل المصري

ومن هذا المنطلق، يرى كثيرون أن الثلاثين من يونيو لم تكن انقلابًا على ثورة الخامس والعشرين من يناير، بل كانت امتدادًا لتصحيح مسارها وإعادة الاعتبار لأهدافها الأساسية المتمثلة في بناء دولة ديمقراطية مستقرة تحفظ كرامة المواطن وتصون مؤسسات الوطن.

وأثبتت السنوات اللاحقة أن وعي المصريين ظل حاضرًا رغم كل التحديات. فقد أظهرت الأحداث أن الشعب قد يصبر طويلًا، لكنه يمتلك القدرة على التمييز بين لحظات الخلاف السياسي ولحظات الخطر التي تهدد بقاء الدولة، فيتحرك عندما يشعر بأن الوطن يحتاج إلى موقف حاسم.

وخلال السنوات الثلاث عشرة الماضية، لم تتوقف الدولة عند استعادة الأمن ومواجهة الإرهاب فقط، بل انتقلت بالتوازي إلى مرحلة البناء والتنمية، حيث شهدت مصر تنفيذ مشروعات قومية كبرى، وإنشاء مدن جديدة، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز قطاع الطاقة، إلى جانب تنفيذ إصلاحات اقتصادية هدفت إلى زيادة قدرة الدولة على مواجهة الأزمات والمتغيرات الإقليمية والدولية.

ولا شك أن تلك المرحلة حملت تحديات كبيرة، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي، إلا أنها مثلت انتقالًا من احتمالات الفوضى والانهيار إلى مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على الصمود في محيط إقليمي شديد الاضطراب.

ومع ذلك، فإن ما تحقق لا يعني أن المهمة قد اكتملت، فالدول لا تُبنى في سنوات قليلة، وإنما عبر عمل متواصل وإرادة جماعية تحافظ على ما تحقق وتواصل البناء عليه. ولهذا تبقى ذكرى الثلاثين من يونيو مسؤولية وطنية قبل أن تكون مناسبة للاحتفال، لأنها تذكر الجميع بأن الحفاظ على الدولة ومقدراتها واستقرارها هو واجب مستمر لا ينتهي.

وبعد ثلاثة عشر عامًا، ما زالت رسائل الثلاثين من يونيو حاضرة في الضمير الوطني، تؤكد أن قوة الدولة تبدأ من وحدة شعبها، وأن إرادة المصريين كانت وستظل الضمانة الحقيقية لحماية الوطن، وصناعة مستقبله، وترسيخ دعائم الجمهورية الجديدة.

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى