مي الكاشف تكتب: هل سرقت الحياة الحديثة دفء الجيرة والمحبة بين الناس؟
مي الكاشف - كاتبة صحفية بجريدة الوطن اليوم المختصة في الشؤون السياسية الداخلية
مي الكاشف – تكتب
كان هناك زمنٌ لم تكن فيه الشوارع مجرد طرقٍ نعبرها، بل كانت مساحاتٍ عامرة بالمودة، تنبض بالحياة، وتجمع بين القلوب قبل أن تجمع بين البيوت. لم يكن الجار اسماً على لوحة باب، أو شخصاً يقطن الشقة المجاورة، بل كان فرداً أصيلاً من العائلة الكبيرة التي تُدعى “الحارة”.
في ذلك الزمن، كانت العلاقات الإنسانية أكثر دفئاً وصدقاً. لم تكن الأبواب تُغلق بإحكام، ولم تكن الكاميرات تحرس المداخل، لأن الأمان كان يسكن القلوب قبل أن يسكن الجدران. كان الجميع يعرف الجميع، ويتشارك الأفراح والأحزان، ويقف إلى جوار الآخر دون انتظار مقابل.

كان الأطفال ينتقلون بين البيوت بحرية ومحبة، فيتناولون الطعام مع جيرانهم كما لو كانوا في منازلهم، وتستقبلهم الوجوه بابتسامة صادقة، لا باستغراب أو تحفظ. وكانت الأمهات يتبادلن أطباق الطعام، فيتحول “طبق الجار” إلى رسالة محبة، تحمل من المشاعر أكثر مما تحمل من الطعام.
ولم يكن التواصل بين الجيران يقتصر على المناسبات، بل كان أسلوب حياة. إذا غاب أحدهم سألوا عنه، وإذا مرض زاروه، وإذا احتاج وجد الأيدي تمتد إليه قبل أن يطلب العون. كانت البيوت متقاربة، لكن القلوب كانت أقرب.
أما اليوم، فقد فرضت وتيرة الحياة السريعة واقعاً مختلفاً. ارتفعت الأبراج، واتسعت المدن، لكن المسافات بين القلوب ازدادت أيضاً. أصبح كثيرون يلتقون يومياً في المصاعد والممرات دون أن يعرف أحدهم اسم الآخر، واختزلت العلاقات في تحية عابرة أو ابتسامة مجاملة.
إن الحنين إلى تلك الأيام ليس مجرد تعلق بالماضي، بل هو اشتياق إلى منظومة من القيم الإنسانية التي صنعت مجتمعاً أكثر تماسكاً ورحمة. فالمجتمعات لا تُبنى بالحجارة وحدها، وإنما تُبنى بالمحبة، وحسن الجوار، والتكافل، والشعور بأن الإنسان ليس وحيداً في مواجهة الحياة.
واليوم، نحن في أمسّ الحاجة إلى إحياء هذه القيم النبيلة، وإعادة جسور التواصل بين الجيران، وغرس ثقافة الاحترام والتعاون في نفوس الأجيال الجديدة. فحسن الجوار ليس عادة اجتماعية فحسب، بل قيمة حضارية ودينية وأخلاقية تحفظ تماسك المجتمع، وتزرع الطمأنينة في النفوس.
فلنبدأ بخطوة بسيطة؛ سلامٌ صادق، أو سؤالٌ عن جار، أو طبقُ طعامٍ يحمل رسالة مودة، فربما تكون هذه المبادرات الصغيرة بدايةً لاستعادة روحٍ جميلة افتقدناها، وإحياء زمنٍ كانت فيه البيوت متجاورة، والقلوب متآلفة، والجيران سنداً لا يغيب.







