بقلم حسن النجار – قمة شي وبوتين تعيد تشكيل توازنات العالم الجديدة
المفكر السياسي حسن النجار عضو المكتب الفني للشؤون الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم
الوطن اليوم الاخبارية – الشؤون السياسية الدولية – 20 مايو 2026
بقلم | حسن النجار
تتجه أنظار العالم نحو القمة الصينية الروسية التي جمعت الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في بكين يومي 19 و20 مايو 2026، وسط ترقب دولي واسع لما قد تحمله من تحولات استراتيجية تمس شكل النظام الدولي وتوازنات القوى في العالم، خاصة في ظل تصاعد الأزمات الإقليمية والدولية وتعاظم حالة الاستقطاب بين الشرق والغرب.
وتأتي هذه القمة في توقيت شديد الحساسية، بالتزامن مع استمرار تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط، وتفاقم أزمة الطاقة العالمية، إلى جانب المخاوف المتزايدة بشأن أمن سلاسل إمدادات الغذاء والتجارة الدولية،
خصوصًا بعد انتقال الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران من المواجهة الجغرافية التقليدية إلى الضغوط الاقتصادية والاستراتيجية التي تهدد استقرار المنطقة بأكملها.
ويرى مراقبون أن انعقاد القمة بعد أيام قليلة من مغادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لبكين، يحمل رسائل سياسية واضحة بشأن إعادة ترتيب موازين النفوذ الدولي بين القوى الكبرى، حيث تسعى كل من بكين وموسكو إلى تعزيز شراكتهما الاستراتيجية في مواجهة الهيمنة الأمريكية ومحاولات فرض نظام دولي أحادي القطبية.
وتشير العديد من التحليلات السياسية إلى أن القمة الصينية الروسية قد تمهد لتشكيل محور أوراسي جديد يمتد من الصين مرورًا بروسيا وصولًا إلى إيران، وهو محور قد يغير خريطة النفوذ في الشرق الأوسط ويمنح القوى المناهضة للهيمنة الغربية مساحة أوسع للتحرك السياسي والاقتصادي والعسكري.
وتنظر الصين إلى المنطقة العربية والشرق الأوسط باعتبارهما محورًا حيويًا لمشروعها الاقتصادي العالمي، خاصة ما يتعلق بمبادرة الحزام والطريق وخطوط التجارة والطاقة العابرة للقارات، كما تعمل بكين على بناء نظام مالي وتقني موازٍ للنظام الغربي يعتمد على اليوان الرقمي، وشبكات الدفع البديلة، والتكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي، في إطار سعيها للتحول إلى القوة الاقتصادية الأولى عالميًا.
وفي المقابل، ترى روسيا أن المواجهة مع الغرب لم تعد تقتصر على حدود أوكرانيا، بل أصبحت صراعًا مفتوحًا على شكل النظام الدولي، ولذلك تعتبر موسكو أن توسيع النفوذ في الشرق الأوسط يمثل ورقة ضغط استراتيجية ضد الولايات المتحدة، خاصة مع انشغال واشنطن بالأزمات المتلاحقة في الخليج العربي ومضيق هرمز والبحر الأحمر.
أما إيران، فقد عززت التطورات الأخيرة من أهميتها الجيوسياسية، بعدما أصبحت تمثل نقطة ارتكاز رئيسية في معادلة الأمن الإقليمي والأوراسي، بفضل موقعها الجغرافي المؤثر وسيطرتها غير المباشرة على مسارات الطاقة والممرات البحرية الحيوية، ما جعلها تمثل العمق الجنوبي للمشروع الأوراسي الصاعد بين بكين وموسكو.
ورغم الحديث المتزايد عن تقارب صيني روسي إيراني، فإن هذا المحور لا يقوم على تحالف عسكري تقليدي على غرار حلف الناتو أو وارسو، بل يعتمد على ما يمكن وصفه بـ”تحالف الضرورة”، وهو تحالف مرن تحكمه المصالح المشتركة ومواجهة الضغوط الغربية والعقوبات الاقتصادية ومحاولات الاحتواء الاستراتيجي.
لكن هذا التقارب لا يخلو من التحديات، فهناك مخاوف روسية من التمدد الاقتصادي الصيني المتزايد داخل آسيا الوسطى، كما تخشى بكين أن تؤدي السياسات الروسية التصعيدية إلى تعطيل مشروعها الاقتصادي العالمي، بينما تتحسب طهران من إمكانية استخدامها كورقة تفاوض مستقبلية في أي تفاهمات كبرى بين واشنطن وكل من موسكو أو بكين.
ومع ذلك، يرى خبراء العلاقات الدولية أن استمرار السياسات الأمريكية الضاغطة على الصين وروسيا وإيران قد يدفع هذه القوى الثلاث إلى تعزيز شراكتها بصورة أكبر، بما يسرّع من ظهور نظام عالمي متعدد الأقطاب، ينهي عقودًا من التفرد الأمريكي بقيادة النظام الدولي.
وفي خضم هذه التحولات، تبقى منطقة الشرق الأوسط، والمنطقة العربية تحديدًا، في قلب الصراع الدولي الجديد، حيث تتسابق القوى الكبرى لإعادة رسم خرائط النفوذ والسيطرة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، وهو ما يفرض على الدول العربية ضرورة بناء رؤية مشتركة وتحالفات تحفظ الأمن القومي العربي وتوازن المصالح الإقليمية في عالم سريع التغير.







