بقلم حسن النجار : الصين تدرس ترامب.. وتعطي العالم درساً في القوة والدبلوماسية
الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار المختص في الشؤون السياسية الدولية
الوطن اليوم الإخبارية – الشؤون السياسية الدولية – الاحد 17 مايو 2026
بقلم | حسن النجار
انتهت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والوفد المرافق له، والذي ضم عدداً من كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية، وثلاثين من كبار رجال الأعمال وأصحاب الشركات الكبرى ليس في الولايات المتحدة فقط وإنما على مستوى العالم، انتهت الزيارة دون الإعلان عن اتفاقيات بين البلدين،
ولكن بتصريحات صينية تقول أن الجانبين اتفقا على الحفاظ على استقرار العلاقات التجارية وتوسيع التعاون على أساس المساواة والاحترام المتبادل والمنفعة المتبادلة،
بينما صرح الرئيس الأمريكي أن الصين وافقت على شراء 200 طائرة بوينج، مع إمكانية شراء 750 إضافية، وأن الصين ستشتري فول الصويا بمليارات الدولارات، وهذا ما لم تؤكده الصين أو تنفه.
لكن بالنسبة للمراقبين فإن ملاحظات كثيرة شهدتها هذه الزيارة التاريخية، لعل أبرزها أداء دونالد ترامب الذي بدا مجاملاً ولطيفاً وودوداً كما لم يره أحد من قبل، فربما تكون هذه هي المرة الأولى التي يبدو ترامب هكذا، فمنذ تولى فترته الرئاسية الثانية لم يكترث كثيراً بصورته إن كانت لائقة أو غير لائقة، ولا حتى بالقواعد الدبلوماسية أو بالأعراف الدولية، أو حتى الإنسانية.
فهو لا يتورع عن السخرية من بعض الحكام أو إحراجهم أو حتى ابتزازهم جهاراً نهاراً أمام الكاميرات ووسائل الإعلام وأمام العالم كله، متعالياً متعجرفاً، كمن يملك الدنيا بين يديه، لكنه في زيارته للصين التي استغرقت يومين فقط، كان منضبطاً وودوداً يختار كلماته بعناية،
حريصاً على التأكيد على علاقته الطيبة وصداقته بالرئيس الصيني شي جين بينج، الذي بدا وقوراً محافظاً ومتحفظاً، تصرفاته محسوبة بعناية وبلا تكلف.
ظهر كرئيس دولة عريقة كبيرة قوية ذات حضارة وتاريخ، وقد أكد هذا في المعالم التي تضمنتها الزيارة، ولعل زيارة لحديقة (تشونجنانهاي) التي يعود عمر أشجارها لمئات السنين، في إشارة واضحة تنبه لها الكثيرون وهي أن عمر هذه الأشجار أكبر من عمر الولايات المتحدة الأمريكية، ناهيك عن بقية برنامج الزيارة الذي أوصل كل الرسائل المطلوبة.
لكن الأهم هو المعنى الذي وصل إلى كل من تتبع هذه الزيارة المهمة، وهو أن المال وحده أو الانصياع للولايات المتحدة أو حتى التوافق معها ليس هو المهم، بل وحتى المصالح المشتركة بين أمريكا وأي طرف آخر،
ولكن الأهم هو القوة الراسخة والثقل السياسي والاقتصادي والعسكري، والاستغناء بالاعتماد على النفس، ومن المؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية هي أكثر من يدرك قوة الصين وثقلها وما تملكه وما يمكنها فعله.
لقد قالت الصين كل هذا دون افتعال أو عناء، أو كما نقول: وهي (تاركة يديها) قالت كل شيء، رحبت وأحسنت الضيافة لكنها لم تبتذل ولم تنبهر ولم تندفع إلى عطاء سخي، بل كل شيء محسوب بمنتهى الدقة، وهذا هو الدرس الذي علمته الصين للعالم كله،
وهي حين أعطت هذا الدرس لم يكن وليد اللحظة، بل نتاجاً لسنوات وعقود من العمل والإنتاج والتوحد حول المصلحة الوطنية الصينية، فأصبحت الدولة القوية التي تسعى إليها أكبر دولة في العالم،
وهي تتحسس كل خطوة وكل عبارة وكل تصرف.. ربما هذا هو أهم درس تستفيد منه دول العالم الأخرى التي ما تزال تبحث كيف تتقرب إلى الولايات المتحدة الأمريكية وكيف تصبح من أتباعها.







