بقلم حسن النجار : “وداع صوت التسعينات زمن الفن الجميل”
حسن النجار كاتب صحفي ومفكر سياسي في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم
الوطن اليوم – بقلم حسن النجار – 4 مايو 2026
بقلم | حسن النجار
لم يكن خبر رحيل الفنان هاني شاكر مجرد نبأ عابر في نشرات الأخبار، بل كان لحظة إنسانية ثقيلة أعادت فتح أبواب الذاكرة على مصراعيها، لتتدفق منها مشاهد وذكريات شكلت وجدان جيل كامل نشأ على صوته وتربى على إحساسه.
جيل التسعينات لم يعرف هاني شاكر كمطرب فقط، بل كصوت رافق تفاصيل الحياة اليومية، وحضر في لحظات الفرح والحزن، الحب والفراق، والبدايات الأولى لاكتشاف المشاعر.
في البيوت المصرية، لم تكن الأغاني مجرد وسيلة ترفيه، بل كانت جزءًا أصيلًا من نسيج الحياة. كانت الكاسيتات تدور لساعات، والألبومات تُقتنى بشغف، وتحمل في طياتها عوالم كاملة من الأحاسيس.
أتذكر جيدًا كيف كان اقتناء ألبوم غنائي حدثًا استثنائيًا، وكأنه امتلاك لعالم خاص نهرب إليه كلما ضاقت بنا الحياة أو اشتد بنا الحنين. ومن بين تلك العوالم، ظل صوت هاني شاكر حاضرًا بقوة، دافئًا، صادقًا، وقريبًا من القلب.
تميّز صوته بنعومة فريدة، وقدرة نادرة على التعبير عن أدق المشاعر الإنسانية دون تكلف. لم يكن يعتمد على الصخب أو المبالغة، بل على البساطة العميقة التي تصل مباشرة إلى القلب. كان يغني للحب كما نشعر به، لا كما يُفرض علينا، ويجسد الحزن بشكل راقٍ يجعل المستمع يتألم دون أن ينكسر.
برحيله، لا نفقد مجرد فنان كبير، بل نفقد رمزًا من رموز زمن كانت فيه الأغنية تُصنع بعناية، وتُعاش بكل تفاصيلها. زمن كانت فيه الكلمات تُكتب بإحساس، والألحان تُبنى على روح، لا على سرعة الانتشار أو عدد المشاهدات. نفقد صوتًا كان يعبّر عنا في لحظات العجز، ويمنحنا لغة بديلة حين تخذلنا الكلمات.
ورغم قسوة الفقد، يبقى الأثر. فالفن الحقيقي لا يموت، بل يتحول إلى ذاكرة حية تتجدد مع كل استماع. ستظل أغانيه تُرافقنا في ليالٍ هادئة، وتُعيدنا إلى أيام أكثر بساطة وصدقًا، إلى ذكرياتنا الأولى مع العائلة، ومع ذواتنا التي كانت تحلم دون خوف أو تعقيد.
وداعًا لصوت حمل مشاعرنا يومًا، وعبّر عنا حين لم نكن نعرف كيف نفعل. شكرًا لأنك كنت جزءًا من حكايتنا، ومن زمن لن يتكرر.
كلمات بسيطة .. الدنيا فانية والذكرى باقية رحم الله هاني شاكر؟







