بقلم حسن النجار – فوضى النشر الرقمي وانتهاك إنسانية الضحايا
الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار رئيس تحرير الوطن اليوم وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية الدولية
الوطن اليوم الاخبارية – مقال رأي – 15 ابريل 2026
بقلم | حسن النجار
في مشهد يتكرر بوتيرة مقلقة خلال الأيام والأسابيع الماضية، تصاعدت حدة الجرائم والحوادث العائلية التي تحولت، بفعل بعض المنصات والصفحات غير المنضبطة، إلى مادة مفتوحة للانتهاك والابتذال.
لم يعد الأمر مجرد نقل خبر، بل تجاوز إلى نشر تفاصيل صادمة تمس الخصوصية الإنسانية، بل وبلغ حد الإعلان عن أسماء وصور ضحايا قُصّر، في مخالفة صريحة لكل المعايير المهنية والإنسانية.
المشكلة لا تقف عند حدود بعض المواقع أو الصفحات المجهولة، بل تمتد إلى سلوك جماعي يتغذى على هوس “التريند” والسعي وراء المشاهدات بأي ثمن. فمع كل حادثة، تتسابق حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى نشر مقاطع فيديو وصور ومعلومات غير موثقة، في تجاهل كامل لحرمة الضحايا وذويهم، وكأن الألم الإنساني أصبح سلعة رائجة في سوق التفاعل الرقمي.
الأخطر من ذلك، أن قطاعات واسعة من المستخدمين تنخرط في التعليق وإصدار الأحكام قبل اكتمال الصورة، متقمصين دور القضاة، فيصدرون أحكام البراءة أو الإدانة وفق أهوائهم أو انطباعاتهم السطحية.
هذا السلوك لا يعكس فقط غياب الوعي، بل يكشف عن خلل عميق في الثقافة الرقمية، حيث يتحول التنمر والتشهير إلى أدوات للتسلية، حتى وإن كان الثمن هو كرامة إنسان أو سمعة أسرة بأكملها.
وفي بعض الحالات، لم يسلم الضحايا حتى بعد وفاتهم، إذ تعرضوا لهجوم قاسٍ وسخرية فجّة، وصلت إلى حد القذف والتشكيك، في ظاهرة تعكس تدهورًا خطيرًا في منظومة القيم، وتطرح تساؤلات ملحة حول حدود الحرية والمسؤولية في الفضاء الإلكتروني.
تزامنًا مع هذه الانفلاتات، تحركت الجهات المعنية، حيث أصدرت بيانات تحذيرية، واتخذت إجراءات تأديبية بحق بعض المخالفين، كما لجأت النيابة العامة إلى حظر النشر في عدد من القضايا الحساسة. غير أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تظل غير كافية في مواجهة سيل جارف من المحتوى غير المنضبط، خاصة في ظل صعوبة السيطرة على منصات التواصل الاجتماعي.
الواقع يؤكد أن الأزمة أعمق من مجرد تجاوزات فردية، فهي تعكس خللًا في فهم وتطبيق مواثيق الشرف الإعلامي، فضلًا عن غياب الوعي المجتمعي بخطورة تداول المعلومات دون تحقق أو مسؤولية.
كما أن الإفراط في نشر تفاصيل الجرائم، بطريقة أقرب إلى الإثارة المبتذلة، يعكس توجهًا نحو “تسليع المأساة” لتحقيق مكاسب سريعة على حساب القيم.
ولعل ما شهدناه في قضايا سابقة، مثل جريمة مقتل طالبة المنصورة، يظل شاهدًا حيًا على خطورة هذا النهج، حيث تحولت الضحية إلى هدف لحملات تشويه ممنهجة، استندت إلى معلومات مغلوطة، رغم نفيها رسميًا. وهو السيناريو الذي يتكرر اليوم، في ظل غياب رادع حقيقي يوقف هذا النزيف الأخلاقي.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على القوانين وحدها، رغم ضرورتها، بل تتطلب حوارًا مجتمعيًا واسعًا يشارك فيه خبراء الإعلام وعلم النفس والاجتماع، لوضع ضوابط واضحة للتعامل مع قضايا العنف والانتحار، بما يحفظ كرامة الإنسان ويمنع استغلال مأساته.
كما تفرض المرحلة ضرورة إعادة النظر في دور المستخدم العادي، الذي لم يعد مجرد متلقٍ، بل أصبح شريكًا في صناعة المحتوى وتداوله. فإعادة نشر الانتهاكات، حتى بدافع الفضول، تضع صاحبها في دائرة المسؤولية الأخلاقية، إن لم تكن القانونية.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نمتلك الشجاعة لوقف هذا الانحدار؟ أم أننا سنواصل استهلاك المآسي كوسيلة للترفيه، حتى نفقد ما تبقى من إنسانيتنا؟







