كتبت | منى السباعي
دخلت المفاوضات الأميركية الإيرانية المنعقدة في سويسرا مرحلة بالغة الدقة، بالتزامن مع تصاعد حدة التصريحات الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي لوّح بإمكانية العودة إلى الخيار العسكري وتشديد الضغوط على طهران، في إطار مساعٍ أميركية لفرض شروط أوسع لا تقتصر على الملف النووي فقط، بل تمتد إلى النفوذ الإقليمي الإيراني ودعم الجماعات الحليفة لها في المنطقة.

وخلال مشاركته في برنامج “السياسة في أسبوع” على شاشة الوطن اليوم، قدّم مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية، توم حرب، قراءة للمشهد السياسي الراهن، معتبراً أن الإدارة الأميركية باتت تمتلك أوراق ضغط قوية تجعل هامش المناورة أمام إيران محدوداً، وتدفعها إلى التفاوض من موقع أكثر حرجاً مقارنة بالمراحل السابقة.
وأوضح حرب أن إدارة ترامب نجحت في فرض إطار تفاوضي يستند إلى شروط أميركية واضحة، مشيراً إلى أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يظل الركيزة الأساسية في الرؤية الأميركية الحالية. وأضاف أن طهران تسعى إلى تحقيق مكاسب اقتصادية والحصول على أموال مجمدة، لكنها في الوقت ذاته تتردد في تقديم التنازلات المطلوبة، ما يضعها أمام تحديات معقدة خلال سير المفاوضات.
وأشار إلى أن الرسائل الأميركية الأخيرة تجاوزت حدود الملف النووي، لتشمل ملفات إقليمية أخرى، من بينها الدور الإيراني في لبنان، حيث شددت واشنطن على ضرورة وقف دعم الميليشيات المسلحة، بالتوازي مع طرح تصورات تتعلق بمستقبل الجنوب اللبناني واستقراره.
وأكد حرب أن فرص تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى إيران ستظل محدودة ما دامت طهران مستمرة في سياساتها التصعيدية على المستويين السياسي والعسكري، مشيراً إلى أن الاستقرار الإقليمي يعد شرطاً أساسياً لأي انفتاح اقتصادي مستقبلي.
وفي ما يتعلق بأدوات الضغط الأميركية، أوضح أن واشنطن تمتلك القدرة على إعادة فرض حصار اقتصادي مشدد أو اللجوء إلى خيارات عسكرية إذا رأت أن المفاوضات لا تحقق النتائج المرجوة. كما لفت إلى أن البرنامج الصاروخي الإيراني حاضر بقوة ضمن الحسابات الأميركية،

وأن ترامب يتعامل مع الملف الإيراني وفق مقاربة تقوم على ربط التنازلات النووية بتغيير السلوك السياسي والإقليمي للنظام الإيراني.
وتطرق حرب إلى الأوضاع الداخلية في إيران، معتبراً أن هناك مؤشرات على وجود تباينات داخل مؤسسات الحكم، مستشهداً بالجدل الذي أثير حول إمكانية إغلاق مضيق هرمز، والذي عكس – بحسب رأيه – اختلافاً في المواقف داخل دوائر صنع القرار الإيراني بشأن عدد من القضايا الحساسة.
ورأى أن الضغوط الداخلية أصبحت تشكل عاملاً مؤثراً في أداء الوفد الإيراني المفاوض، خاصة مع تصاعد حالة الاستياء الشعبي نتيجة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، الأمر الذي يجعل استمرار التفاوض خياراً أقل تكلفة بالنسبة للنظام مقارنة بالانسحاب من المحادثات أو الدخول في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة.
وفي الشأن اللبناني، أوضح حرب أن الإدارة الأميركية لا تمانع مواجهة حزب الله، لكنها في الوقت نفسه ترفض أي عمليات عسكرية قد تؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين أو تتسبب في دمار واسع النطاق ينعكس سلباً على المواقف الدولية.
وأضاف أن واشنطن تضع الدولة اللبنانية أمام مسؤولية مباشرة فيما يتعلق بملف سلاح حزب الله، معتبرة أن أي تقدم سياسي أو اقتصادي يجب أن يترافق مع خطوات واضحة لمعالجة هذا الملف.
كما أشار إلى وجود اختلاف في طريقة عرض بعض الملفات بين الجانب الأميركي والجهات الرسمية اللبنانية، موضحاً أن واشنطن تركز بشكل أساسي على مسارين هما استكمال التفاوض مع إسرائيل ومعالجة ملف سلاح حزب الله، بينما لا يظهر هذا التوجه بالوضوح ذاته في الخطاب الرسمي اللبناني.
وفي ما يخص العلاقة الأميركية الإسرائيلية، أكد حرب أن ما يثار حول وجود خلافات بين واشنطن وتل أبيب لا يتجاوز حدود التباينات التكتيكية، مشيراً إلى أن الطرفين عملا بتنسيق وثيق خلال مختلف مراحل التعامل مع الملف الإيراني.
وأوضح أن إسرائيل تميل إلى مواصلة الضغط حتى إحداث تغيير جذري داخل إيران، في حين تبدو الولايات المتحدة أكثر حذراً تجاه سيناريو انهيار النظام الإيراني بشكل كامل، خشية تداعيات الفوضى وعدم الاستقرار وما قد ينتج عنها من أزمات إقليمية واسعة.
واختتم حرب حديثه بالتأكيد على أن الخيار الأميركي المفضل يتمثل في دفع إيران نحو تقديم تنازلات جوهرية تتعلق بالبرنامج النووي والصاروخي وسياستها الإقليمية، مقابل تخفيف القيود الاقتصادية والإفراج عن جزء من أموالها المجمدة،
مشيراً إلى أن طهران تجد نفسها اليوم أمام مفترق طرق حاسم بين الاستجابة لهذه الضغوط أو مواجهة مرحلة أكثر صعوبة من العقوبات والعزلة والضغوط السياسية والعسكرية.







