سحر إبراهيم تكتب: السوشيال ميديا بين سموم الخطاب وتحديات الوعي الرقمي
الكاتبة الصحفية سحر ابراهيم نائب رئيس تحرير الوطن اليوم والمختصة في الشؤون السياسية الداخلية
سحر ابراهيم – تكتب
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للتواصل أو تبادل المعلومات، بل تحولت لدى كثيرين إلى بيئة مشحونة بالتوتر والانفعال والاستقطاب، بعدما امتلأت بمحتوى يقوم على التحريض والسخرية والتنمر ونشر الكراهية. وفي ظل تصدر بعض صناع المحتوى للمشهد،
رغم افتقارهم للمعرفة أو المسؤولية، باتت هذه المنصات تؤثر بشكل مباشر في تشكيل الوعي والسلوك، خاصة لدى الأجيال الجديدة التي تنشأ داخل العالم الرقمي أكثر مما تنشأ في ساحات التعليم والثقافة.

المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، وإنما في طبيعة المحتوى الذي يُضخ يوميًا، والذي يجد أرضًا خصبة في مجتمعات عانت طويلًا من تراجع جودة التعليم، وضعف الثقافة،
وغياب التفكير النقدي. ومع هذا الواقع، تتحول السوشيال ميديا من وسيلة للتنوير إلى أداة لإعادة إنتاج الأفكار المتشددة، وتكريس الانقسام المجتمعي، وإحياء أنماط من الخطاب الذي يرفض الحوار ويعتمد على التخوين والتكفير والإقصاء.
ولا يمكن فصل ما يحدث على المنصات الرقمية عن الواقع؛ فالأزمات التعليمية والثقافية التي تراكمت عبر عقود انعكست بوضوح على طبيعة النقاشات العامة،
وأصبحت المنصات الإلكترونية مرآة لهذه الاختلالات، بل ومسرعًا لانتشارها، في ظل غياب الوعي الكافي بكيفية التعامل مع المعلومات، والتمييز بين الحقيقة والشائعة، والرأي والخطاب المحرض.
ورغم الجهود المبذولة لإصلاح منظومة التعليم وتجديد الخطاب الفكري والثقافي، فإن الطريق لا يزال طويلًا، لأن مواجهة هذا الواقع لا تتحقق فقط عبر القوانين أو حذف المحتوى المسيء، وإنما ببناء إنسان قادر على التفكير والتحليل، يمتلك أدوات النقد، ويستطيع التعامل مع الفضاء الرقمي بوعي ومسؤولية.
إن الوعي الرقمي لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة تربوية وثقافية. فهو لا يقتصر على تعلم استخدام التكنولوجيا، وإنما يشمل تنمية القدرة على التحقق من المعلومات، واحترام الاختلاف، ومواجهة خطاب الكراهية، والتعامل الأخلاقي مع المنصات الرقمية.
وتكشف بعض المواقف اليومية حجم التحدي؛ فحين تُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي أو التطبيقات الحديثة لإعادة إنتاج الأفكار الجامدة دون إعمال العقل أو فتح باب الاجتهاد، فإن المشكلة لا تكون في التقنية، بل في العقلية التي توظفها. فالتكنولوجيا يمكن أن تكون وسيلة للتقدم، كما يمكن أن تتحول إلى أداة لترسيخ الجمود إذا غاب عنها الفكر المستنير.
إن إصلاح بيئة السوشيال ميديا يبدأ بإصلاح بيئة الوعي نفسها. فالمجال العام لا يمكن أن يستعيد توازنه ما لم تُمنح الأولوية للتعليم الجيد، والثقافة، والفنون، والتفكير النقدي، باعتبارها خطوط الدفاع الأولى في مواجهة التطرف والتضليل.
فالهدم دائمًا أكثر جذبًا وانتشارًا، أما البناء فيحتاج إلى مشروع متكامل، وإرادة حقيقية، وإيمان بأن مستقبل المجتمعات لن تصنعه الخوارزميات وحدها، بل يصنعه الإنسان الواعي القادر على التمييز بين المعرفة والضجيج، وبين الحرية والمسؤولية، وبين التأثير الإيجابي والسموم الرقمية.







