الشؤون السياسية الدولية

حسن النجار يكتب: الشرق الأوسط العنيد بين الثوابت وأوهام التغيير الكبرى

حسن النجار كاتبًا صحفيا ومستشارًا في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم

حسن النجار … يكتب 

تزايد الحديث خلال السنوات الأخيرة عن ميلاد ما يُعرف بـ”الشرق الأوسط الجديد”، خاصة في ظل التحولات الدراماتيكية التي شهدتها المنطقة منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، وما تبعها من اتساع رقعة الصراع إلى لبنان وسوريا والخليج العربي.

إلا أن قراءة متأنية لمجريات الأحداث تكشف أن المنطقة، رغم حجم الدمار والخسائر، لا تزال أسيرة الثوابت ذاتها التي حكمت معادلاتها السياسية والأمنية لعقود طويلة.

فالتغيرات التي شهدتها المنطقة، مهما بلغت حدتها، لم تؤسس حتى الآن لنظام إقليمي جديد، بل أعادت إنتاج المشهد التقليدي بصور أكثر عنفًا وتعقيدًا، الأمر الذي يجعل الحديث عن شرق أوسط مختلف سابقًا لأوانه.

القضية الفلسطينية لا تزال محور الصراع

كانت غزة نقطة الانطلاق التي أشعلت شرارة المواجهة الأخيرة، وهو ما يؤكد أن القضية الفلسطينية لا تزال القضية المركزية والمحرك الرئيسي للأزمات في الشرق الأوسط، رغم مرور ما يقارب ثمانية عقود على بدايتها.

وقد جاءت أحداث السابع من أكتوبر امتدادًا لمحاولات تاريخية سعت إلى تغيير ميزان القوى مع إسرائيل عبر العمل العسكري، انطلاقًا من قناعة بأن الدولة العبرية تمتلك نقاط ضعف يمكن استغلالها لإحداث تحول استراتيجي في الصراع.

غير أن هذه الرؤية ليست جديدة، فقد شهد تاريخ المنطقة محاولات مشابهة انتهت جميعها تقريبًا إلى النتائج نفسها، دون أن تنجح في تغيير قواعد اللعبة أو فرض واقع سياسي مختلف.

الرد الإسرائيلي… استراتيجية ثابتة

في المقابل، جاء الرد الإسرائيلي منسجمًا مع نهجه التقليدي القائم على توسيع دائرة المواجهة، وعدم الاكتفاء باستهداف الجهة المنفذة للهجوم، بل السعي إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بالكامل.

ولهذا امتدت العمليات العسكرية من غزة إلى لبنان وسوريا، ووصل تأثيرها إلى إيران واليمن، مع الاعتماد المكثف على القوة الجوية والضربات بعيدة المدى، إلى جانب فرض وقائع جديدة على الأرض عبر السيطرة على مناطق استراتيجية، في تكرار واضح لسياسات عرفتها المنطقة في جولات الصراع السابقة.

أمن الخليج… معادلة لم تتغير

ومن بين الثوابت الراسخة أيضًا استمرار التحديات الأمنية في منطقة الخليج العربي، حيث دخلت إيران المواجهة تحت شعار دعم القضية الفلسطينية، لكن تطورات الأحداث أظهرت أن أولوياتها تجاوزت هذا العنوان لتشمل توسيع النفوذ الإقليمي واستهداف الأمن الخليجي.

وهذه ليست ظاهرة مستحدثة، بل امتداد لصراع النفوذ الذي تشهده المنطقة منذ عقود، وتحديدًا منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، إذ ظل الخليج محورًا للتنافس الإقليمي ومحط أنظار القوى الطامحة إلى النفوذ والسيطرة.

ورغم التحولات الدولية، بقيت الولايات المتحدة الضامن الرئيسي لأمن الخليج، وهو ما يؤكد استمرار أحد أهم الثوابت الاستراتيجية في المنطقة.

اختلال ميزان القوى الإقليمي

كما كشفت الأحداث الأخيرة استمرار اختلال التوازن بين الدول العربية وجيرانها غير العرب، حيث برزت إسرائيل وإيران وتركيا باعتبارها القوى الأكثر قدرة على فرض الوقائع وتحقيق المكاسب الاستراتيجية، بينما انشغلت العديد من الدول العربية بالدفاع عن أمنها أو مواجهة تداعيات الأزمات الداخلية.

ويُعد هذا الخلل امتدادًا لمسار بدأ منذ عقود، وتفاقم مع تراجع القوة العربية المشتركة، واتساع مساحة النفوذ الإقليمي للقوى غير العربية داخل عدد من الدول العربية.

ضعف الدولة الوطنية… الأزمة المستمرة

ومن أبرز الثوابت التي لم تتغير أيضًا استمرار هشاشة الدولة المركزية في عدد من الدول العربية، وهو ما فتح المجال أمام التدخلات الخارجية وتصاعد نفوذ الجماعات المسلحة.

ويبرز لبنان باعتباره النموذج الأوضح لهذه الأزمة، حيث أدى ضعف مؤسسات الدولة إلى تكريس الانقسامات الداخلية وتعميق التدخلات الإقليمية، بينما شهدت دول أخرى، مثل العراق وسوريا، تجارب مشابهة أضعفت قدرتها على حماية سيادتها واستقرارها.

شرق أوسط جديد… أم شرق أوسط عنيد؟

عند جمع هذه المعطيات تتضح حقيقة مهمة، وهي أن الثوابت الأساسية التي تحكم الشرق الأوسط لم تتغير، رغم الحروب والصراعات المتلاحقة.

فالقضية الفلسطينية لا تزال محور التوتر، وإسرائيل ما زالت تعتمد فلسفة الردع العسكري، وأمن الخليج لا يزال مرتبطًا بالمظلة الأمريكية، كما يستمر اختلال ميزان القوى الإقليمي وضعف الدولة الوطنية في تشكيل المشهد العام.

لذلك، يبدو أن الحديث عن ميلاد “شرق أوسط جديد” يفتقر حتى الآن إلى الأدلة العملية، بينما الأقرب إلى الواقع هو استمرار ما يمكن وصفه بـ”الشرق الأوسط العنيد”، ذلك الشرق الأوسط الذي يقاوم التغيير، ويعيد إنتاج أزماته القديمة في صور جديدة، دون أن ينجح في كسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها المنطقة منذ عقود.

حسن النجار كاتبًا صحفيا ومستشارًا في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم
حسن النجار كاتبًا صحفيا ومستشارًا في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى