سحر إبراهيم تكتب: الرئيس السيسي ومواقفه البناءة في حماية مصر
الكاتبة الصحفية سحر ابراهيم نائب رئيس تحرير الوطن اليوم والمختصة في الشؤون السياسية الداخلية
بقلم | سحر إبراهيم
في وطنٍ يمر بمنعطفات تاريخية شديدة التعقيد، لا تكون قيمة المسؤول فقط فيما يقوله، وإنما فيما يفعله عندما تتزاحم الأزمات، وتتسع دائرة الشائعات، وتزداد الضغوط المحيطة بالدولة من كل اتجاه.
ومن هذا المنطلق، فإن قراءة المشهد المصري خلال السنوات الأخيرة تفتح الباب أمام نقاش واسع حول طبيعة المواقف التي اتخذها الرئيس عبد الفتاح السيسي في ملفات الأمن القومي، والتنمية، والعلاقات الإقليمية، والتعامل مع الأزمات التي تعصف بالمنطقة.
والحديث هنا ليس عن شخص بمعزل عن الدولة ومؤسساتها، وإنما عن رئيس جمهورية يقود دولة تواجه تحديات داخلية وإقليمية متشابكة، في منطقة تشهد تحولات متسارعة وحروبًا وصراعات تهدد الأمن والاستقرار وحرية الملاحة ومصالح الشعوب.
البناء في مواجهة الفوضى
حين نتحدث عن بناء الدولة، فإن المسألة لا تقتصر على إنشاء الطرق والمشروعات والمدن الجديدة، وإنما تمتد إلى قدرة مؤسسات الدولة على الحفاظ على استقرارها، وإدارة مواردها، وحماية حدودها، وتعزيز قدرتها على التعامل مع الأزمات.
وفي اجتماع الرئيس عبد الفتاح السيسي مع رئيس الوزراء ومجلسي الوزراء والمحافظين وعدد من المسؤولين بمقر القيادة الاستراتيجية في 29 سبتمبر 2026، كان لافتًا تأكيده أهمية حسن استغلال موارد الدولة، وترسيخ الثقة في مؤسساتها، وضمان تأمين الجبهة الداخلية، في ظل ما وصفه بتعدد أساليب محاولات الإضرار بالدولة المصرية.
وهذه الرسالة تحمل دلالة مهمة؛ فالدولة التي تواجه أزمات متزامنة تحتاج إلى مؤسسات تعمل بصورة متماسكة، وإلى وعي مجتمعي يميز بين النقد المسؤول وبين المعلومات المضللة التي قد تتحول إلى أداة لإرباك المجتمع.
مصر وسط منطقة تغلي
ولأن مصر لا تعيش بمعزل عن محيطها، فإن تقييم المواقف السياسية لا يمكن أن ينفصل عن طبيعة المنطقة التي تتحرك فيها الدولة المصرية.
فالشرق الأوسط خلال الفترة الراهنة يشهد توترات متلاحقة، من الحرب الإيرانية والتوترات المرتبطة بالممرات البحرية، إلى الأوضاع في غزة واليمن والسودان، فضلًا عن التداعيات الاقتصادية والأمنية التي تنتقل من دولة إلى أخرى.
وتشير تقارير حديثة إلى استمرار حالة عدم الاستقرار الإقليمي، بما في ذلك التوترات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز والملاحة الدولية.
وفي هذا السياق، تبدو أهمية الموقف المصري في التمسك بالمسار السياسي والدبلوماسي، وهو ما ظهر في المواقف الرسمية خلال سبتمبر، حيث أكدت مصر ضرورة تغليب الحلول السلمية، والحفاظ على حرية الملاحة، ورفض تهجير الفلسطينيين، ودعم الوصول إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية.
الأمن القومي ليس شعارًا
الأمن القومي بالنسبة إلى مصر ليس قضية عسكرية فقط، وإنما منظومة متكاملة تشمل أمن الحدود، والغذاء والطاقة والمياه، والاقتصاد، والاستقرار الاجتماعي، وحماية الدولة من تداعيات الصراعات المحيطة بها.
ومن هنا تأتي أهمية أن تظل الدولة المصرية قادرة على التحرك سياسيًا ودبلوماسيًا، بالتوازي مع الحفاظ على جاهزية مؤسساتها.
وفي تقديري، فإن أصعب اختبار لأي قيادة سياسية هو كيفية التعامل مع الأزمات دون الانجرار إلى قرارات انفعالية قد تدفع ثمنها الأجيال المقبلة.
ومصر، بحكم موقعها الجغرافي والسياسي، تجد نفسها باستمرار أمام ملفات لا يمكن التعامل معها بمنطق رد الفعل فقط، بل تحتاج إلى حسابات دقيقة تحافظ على المصالح المصرية وتمنع انتقال أزمات الآخرين إلى الداخل المصري.
الدبلوماسية المصرية وحماية المصالح
ومن أبرز الملفات التي تكشف طبيعة هذه الحسابات، تعامل مصر مع التطورات الإقليمية والقضية الفلسطينية.
ففي سبتمبر 2026، أكد الرئيس السيسي خلال لقائه الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو أهمية الحل السلمي للتطورات المرتبطة بالحرب الإيرانية، والحفاظ على حرية الملاحة، كما جدد الجانبان التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية ورفض تهجير الفلسطينيين وضرورة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية.
كما شهد الشهر نفسه تحركًا دبلوماسيًا مصريًا مشتركًا مع تركيا والسعودية وباكستان، أكد حق السعودية في الدفاع عن نفسها وفق القانون الدولي، وشدد على أهمية أمن الملاحة والحوار والدبلوماسية باعتبارهما الطريق إلى معالجة الأزمات.
وهذه المواقف تعكس، في قراءتي، محاولة للحفاظ على مساحة سياسية لمصر داخل إقليم مضطرب، بعيدًا عن الانخراط المباشر في صراعات عسكرية جديدة، مع التمسك في الوقت ذاته بالمصالح والأمن القومي المصري.
بين الإنجاز والاختلاف
ومن الإنصاف أيضًا أن نقول إن تقييم أي تجربة سياسية لا ينبغي أن يتحول إلى صورة أحادية الجانب؛ فهناك مؤيدون يرون أن ما تحقق من مشروعات وبنية أساسية وتطوير لمؤسسات الدولة يعكس مسارًا لبناء دولة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، بينما يطرح منتقدون أسئلة حول التكلفة الاقتصادية والاجتماعية لبعض السياسات وأولويات الإنفاق.
وهنا يأتي دور الصحافة الموضوعية: أن تعرض الإنجاز، وتناقش التكلفة، وتضع الأرقام والسياسات أمام المواطن، دون أن تتحول المساحة الإعلامية إلى دعاية أو إلى هدم ممنهج.
فالدولة القوية لا تخشى النقاش، والمواطن الواعي لا يحتاج إلى المبالغة في المدح أو المبالغة في الهجوم، وإنما يحتاج إلى معلومات حقيقية يستطيع من خلالها أن يفهم ما يحدث حوله.
مصر أولًا
وفي النهاية، تبقى مصر هي القضية الأكبر.
قد يختلف المصريون في تقييم السياسات، وقد تتباين الرؤى حول الاقتصاد أو الإدارة أو ترتيب الأولويات، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع.
لكن في اللحظات التي تتعرض فيها المنطقة لموجات متتالية من الصراع والتوتر، تصبح حماية الدولة ومؤسساتها والحفاظ على تماسك المجتمع مسؤولية مشتركة.
ومن وجهة نظري، فإن المواقف التي تستهدف البناء، وحماية مؤسسات الدولة، والحفاظ على القرار الوطني، ومنع الانزلاق إلى صراعات لا تخدم مصالح مصر، تستحق أن تُناقش بجدية بعيدًا عن ضجيج الشائعات والفتن.
ليس المطلوب أن نتفق جميعًا على كل قرار، وإنما المطلوب أن تظل مصر فوق الخلافات، وأن يظل الوطن هو البوصلة.
وفي النهاية، فإن مصر التي عبرت أزمات وحروبًا وتحولات تاريخية كثيرة، قادرة على مواصلة طريقها متى اجتمع البناء مع الوعي، والقوة مع الحكمة، والدولة مع المواطن.
حفظ الله مصر، وحفظ شعبها، وصان أمنها واستقرارها، وكتب لها دائمًا طريق البناء والسلام والتنمية.








