حسن النجار يكتب | القاضي المزيف.. عندما تصنع المنصات أبطالًا من الوهم
حسن النجار كاتبًا صحفيا ومستشارًا في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم
حسن النجار – يكتب
منذ أن أصبحت الكاميرا جزءًا أساسيًا من الهواتف المحمولة، تغيرت طبيعة نقل الأحداث وصناعة المحتوى، وتحولت الصورة والفيديو إلى أدوات قادرة على توثيق الحقيقة، لكنها في الوقت ذاته أصبحت وسيلة لنشر الأكاذيب، والتشهير، وانتهاك الخصوصية، وصناعة شخصيات وهمية تنجح أحيانًا في خداع الآلاف عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وتأتي قضية منتحل الصفة القضائية لتكشف بوضوح حجم التأثير الذي تمارسه تلك المنصات عندما تُستغل في ترويج الوهم. فالمتهم لم يكتفِ بادعاء العمل في إحدى الجهات القضائية، بل حرص على تصوير مقاطع فيديو يظهر خلالها وكأنه يدير جلسات محاكمة، يناقش المحامين،
ويوجه الحاجب، ويؤجل القضايا، في مشاهد أقرب إلى التمثيل الهزلي منها إلى الواقع القضائي، ومع ذلك وجد من يصدق هذه الرواية ويتعامل معها باعتبارها حقيقة.
المفارقة أن هذه التسجيلات كانت تحمل في تفاصيلها ما يكفي لكشف زيف الشخصية. فلم يعرف عن القضاة الظهور بهذه الصورة الاستعراضية أو مخاطبة المتابعين بعبارات تستهدف كسب التعاطف أو الشهرة، وهو ما كان ينبغي أن يدفع أي مشاهد إلى التشكيك في صحة تلك الادعاءات منذ البداية.
كما أثيرت مزاعم بشأن دفع المتهم ملايين الجنيهات للحصول على فرصة التصوير داخل إحدى المحاكم، وهي روايات تفتقر إلى المنطق قبل أن تفتقر إلى الدليل.
فالمتهم سبق اتهامه في وقائع مشابهة، ولم يكن يمتلك مصدر دخل معروفًا يبرر امتلاكه مثل هذه الأموال، الأمر الذي يرجح أن كثيرًا من هذه الأرقام جرى تضخيمها دون تحقق، في ظل سباق بعض منصات التواصل لنشر الأخبار المثيرة دون تدقيق كافٍ.
وتشير الوقائع المتداولة كذلك إلى أن المتهم استغل صورته المزيفة في خداع بعض المواطنين، سواء في معاملات مالية أو في علاقات اجتماعية،
وهو ما يعكس أن الضحية لم تكن فقط ضحية شخص محتال، بل أيضًا ضحية ثقافة تمنح المظاهر قيمة أكبر من التحقق، وتتعامل مع الصورة المنشورة باعتبارها دليلًا على الحقيقة.
هذه القضية لا تكشف فقط عن شخص انتحل صفة قضائية، وإنما تفضح أيضًا جانبًا آخر أكثر خطورة، وهو استعداد بعض الأفراد لتصديق أي محتوى يبدو مقنعًا بصريًا،
حتى وإن افتقد أبسط مقومات المنطق. كما أنها تؤكد أن منصات التواصل أصبحت بيئة خصبة لصناعة الوهم، وأن المحتوى المصور لا يمثل دائمًا حقيقة، بل قد يكون وسيلة متقنة للاحتيال والتضليل.
ومن زاوية أخرى، فإن التحقيقات – حال ثبوت ما نُسب إلى المتهم من وقائع – قد تكشف عن وجود أطراف سعت إلى الحصول على خدمات غير مشروعة،
وهو ما يعني أن المحتال لم يستغل فقط ثقة ضحاياه، بل استغل أيضًا طمع البعض في تحقيق مصالح بطرق غير قانونية، الأمر الذي يستوجب التعامل مع القضية من جميع أبعادها القانونية والاجتماعية.
كما أن هذه الواقعة تطرح تساؤلات مهمة حول الدوافع النفسية وراء انتحال الشخصيات الرسمية، وحول الحاجة إلى دراسة مثل هذه النماذج لفهم دوافعها، خاصة إذا ثبت أن المتهم كان يسعى إلى إشباع رغبة في الظهور والوجاهة الاجتماعية أكثر من سعيه لتحقيق مكاسب مالية فقط.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم أن الوعي هو خط الدفاع الأول أمام المحتوى المزيف. فليس كل ما يُنشر عبر منصات التواصل حقيقة، وليس كل من يرتدي مظهرًا رسميًا يستحق الثقة.
وبين كاميرا توثق الواقع، وأخرى تصنع الوهم، تظل مسؤولية التحقق وعدم الانسياق خلف المظاهر مسؤولية مشتركة بين وسائل الإعلام والجمهور، حتى لا تتحول المنصات الرقمية إلى ساحات مفتوحة للخداع وصناعة الأبطال الوهميين.








