الشؤون السياسية الدوليةحسن النجار يكتب

حسن النجار يكتب: القاهرة تجمع السيسي وبن سلمان ورسائل استراتيجية تتجاوز حدود الزيارة

حسن النجار كاتبًا صحفيا ومستشارًا في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم

تحليل – حسن النجار

لم تكن زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء، إلى القاهرة، الثلاثاء 15 سبتمبر 2026، مجرد زيارة عمل تقليدية، ولا لقاءً بروتوكوليًا بين قيادتين تجمعهما علاقات تاريخية راسخة، وإنما جاءت في توقيت إقليمي شديد الحساسية،

تتداخل فيه ملفات الأمن الخليجي، وأمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب ومضيق هرمز، إلى جانب تطورات القضية الفلسطينية والأزمة السودانية وتداعيات الأوضاع المتسارعة في المنطقة.

واللافت في المشهد أن الرئيس عبدالفتاح السيسي كان في مقدمة مستقبلي ولي العهد السعودي، قبل أن ينتقل اللقاء إلى قصر الاتحادية، حيث عقد الزعيمان لقاءً ثنائيًا مغلقًا، أعقبته مباحثات موسعة بمشاركة وفدي البلدين، ثم مأدبة غداء أقامها الرئيس السيسي تكريمًا لضيف مصر والوفد المرافق له.

اللقاء المغلق.. أين تكمن أهمية «الكواليس»؟

هنا تحديدًا تبدأ القراءة السياسية للمشهد.

فاللقاء الثنائي المغلق يعني أن جزءًا من النقاش بين الرئيس السيسي وولي العهد السعودي لم يكن مخصصًا للإعلان الإعلامي التفصيلي، وهو أمر طبيعي في اللقاءات التي تتناول ملفات أمنية وسياسية شديدة الحساسية.

لكن من المهم التأكيد أن مضمون هذا الحوار المغلق لم يُنشر تفصيليًا، ولذلك فإن الحديث عن عبارات محددة أو اتفاقات سرية باعتبارها وقائع مؤكدة سيكون تجاوزًا مهنيًا للمعلومات المتاحة.

ويمكن، في المقابل، قراءة الملفات التي خرجت إلى العلن باعتبارها مؤشرًا على طبيعة الأولويات التي كانت حاضرة على طاولة النقاش.

أمن السعودية.. رسالة مصرية واضحة

أبرز الرسائل التي خرجت من القاهرة تمثلت في تأكيد الرئيس السيسي دعم مصر للإجراءات التي تتخذها المملكة العربية السعودية لحماية أمنها واستقرارها، إلى جانب التشديد على أهمية التضامن والتنسيق العربي في مواجهة التطورات الإقليمية الراهنة.

وهذه الرسالة لا يمكن فصلها عن التطورات الأمنية التي تشهدها المنطقة، خصوصًا مع بروز ملف أمن الملاحة باعتباره قضية تتجاوز حدود دولة بعينها، لما يرتبط به من تأثير مباشر على حركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

ومن هنا جاء تأكيد الجانبين على ضمان أمن وحرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، بما يعكس إدراكًا مشتركًا لحساسية الممرات البحرية بالنسبة للأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي.

مصر والسعودية.. من إدارة الأزمات إلى صناعة التوازن

الرسالة الأوسع في زيارة محمد بن سلمان هي أن القاهرة والرياض تنظران إلى العلاقة بينهما باعتبارها أحد عناصر التوازن في الإقليم.

فمصر تمتلك ثقلًا سياسيًا وعسكريًا وجغرافيًا مهمًا، خصوصًا بحكم موقعها على البحر الأحمر وقناة السويس، بينما تمتلك السعودية ثقلًا اقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا وتأثيرًا مباشرًا في ملفات الخليج والطاقة والاستثمار.

وعندما تتحرك القاهرة والرياض في مساحة مشتركة من التنسيق، فإن ذلك يخلق مساحة أوسع للتعامل مع الأزمات الإقليمية، خصوصًا أن الملفات المطروحة لم تعد منفصلة عن بعضها؛

فالأمن الخليجي يرتبط بأمن البحر الأحمر، وأمن البحر الأحمر يرتبط بحركة التجارة العالمية، بينما ترتبط هذه الملفات جميعًا بالتطورات في اليمن وإيران والقضية الفلسطينية.

فلسطين في قلب المشهد

القضية الفلسطينية حضرت كذلك في المباحثات، مع تأكيد الجانبين تمسكهما بتسوية عادلة وشاملة تقوم على حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية، إلى جانب التشديد على إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة ووقف الانتهاكات في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.

وهنا تظهر نقطة مهمة في قراءة الموقف المصري السعودي؛ فالقاهرة والرياض تتحركان في ملف القضية الفلسطينية من زاوية سياسية وإنسانية وأمنية في الوقت نفسه، خصوصًا أن استمرار الحرب وتداعياتها لا ينعكس على الفلسطينيين وحدهم، وإنما يفرض ضغوطًا متزايدة على منظومة الأمن والاستقرار في المنطقة بأكملها.

السودان.. اتفاق على خطورة تفكك الدولة

ومن الملفات التي تكشف اتساع نطاق التنسيق بين القاهرة والرياض، الملف السوداني.

فبحسب ما أُعلن عقب اللقاء، أكد الجانبان استمرار دعم أمن السودان واستقراره، ورفضا مساواة القوات المسلحة السودانية بالمليشيات أو الكيانات الموازية غير الشرعية، مع التأكيد على أن أي تهديد لوحدة السودان وسلامة أراضيه يمثل خطرًا على الأمن الجماعي للمنطقة.

وهذا الملف تحديدًا يحمل أهمية خاصة بالنسبة لمصر والسعودية، نظرًا للموقع الجغرافي للسودان وارتباط أمن البحر الأحمر باستقرار دوله، فضلًا عن التداعيات الإنسانية والسياسية والاقتصادية للحرب السودانية.

ماذا أراد بن سلمان من القاهرة؟

من الصعب اختزال أهداف الزيارة في ملف واحد.

فالبيانات الرسمية تشير إلى أن النقاش تناول العلاقات الثنائية الاستراتيجية وسبل تطويرها، إلى جانب القضايا العربية والإسلامية وتطورات الشرق الأوسط وأمن واستقرار المنطقة.

لكن توقيت الزيارة يعطيها بعدًا إضافيًا؛ فالقاهرة ليست مجرد محطة دبلوماسية في المنطقة، والرياض ليست مجرد عاصمة خليجية مؤثرة. كلاهما طرف رئيسي في معادلات الأمن والسياسة والاقتصاد في الشرق الأوسط.

ولهذا يمكن قراءة اللقاء باعتباره رسالة تنسيق سياسي وأمني واقتصادي، أكثر منه مناسبة لإعلان اتفاق واحد محدد.

وماذا تقول القاهرة؟

القاهرة، من جانبها، وجهت رسالة واضحة: أمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج جزء من منظومة الأمن الإقليمي التي تحرص مصر على استقرارها.

وفي الوقت نفسه، تؤكد القاهرة أن التعامل مع أزمات المنطقة يجب ألا يقتصر على الحلول الأمنية، بل يحتاج إلى مسارات سياسية تحافظ على وحدة الدول وتمنع تمدد الصراعات.

وهذا يفسر حضور ملفات اليمن وفلسطين والسودان وأمن الملاحة في مشهد واحد؛ لأنها، رغم اختلافها، أصبحت مترابطة داخل معادلة الأمن الإقليمي.

الرئيس السيسي والامير محمد بن سلمان
الرئيس السيسي والامير محمد بن سلمان

الكواليس الحقيقية.. ما يمكن استنتاجه وما لا يمكن الجزم به

المهنية الصحفية تفرض هنا التمييز بين المعلومة والتحليل.

المعلومة المؤكدة أن الرئيس السيسي والأمير محمد بن سلمان عقدا لقاءً ثنائيًا مغلقًا، ثم مباحثات موسعة، وأن الملفات المعلنة شملت العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية وأمن الملاحة والقضية الفلسطينية والسودان.

أما ما قيل داخل اللقاء المغلق بالتحديد، فلم تعلن عنه القاهرة أو الرياض في صورة محضر تفصيلي.

لذلك، فإن القراءة الأكثر واقعية للكواليس هي أن الزعيمين بحثا سبل رفع مستوى التنسيق بين القاهرة والرياض في مواجهة التطورات الإقليمية، وحماية المصالح المشتركة،

والحفاظ على أمن الممرات البحرية، ودعم مسارات الاستقرار السياسي في المنطقة، وهي استنتاجات تستند إلى الملفات التي أعلنتها البيانات الرسمية، وليست نقلًا حرفيًا لما دار خلف الأبواب المغلقة.

الخلاصة

زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة حملت عنوانًا أكبر من مجرد لقاء مصري سعودي.

إنها زيارة جاءت في لحظة إقليمية تحتاج إلى التنسيق، وتؤكد أن القاهرة والرياض تدركان أن المرحلة المقبلة تتطلب قدرًا أكبر من التشاور، خصوصًا في ملفات الأمن الإقليمي والملاحة والقضية الفلسطينية والسودان.

وفي تقديري، فإن أهم ما خرج من اللقاء ليس فقط ما قيل أمام الكاميرات، وإنما رسالة التنسيق التي حملها اجتماع الرئيس السيسي وولي العهد السعودي في القاهرة: مصر والسعودية تتحركان داخل مساحة مشتركة من المصالح، وتسعيان إلى حماية الاستقرار الإقليمي عبر التشاور المباشر وتنسيق المواقف في الملفات الأكثر حساسية.

وهنا تكمن دلالة زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة؛ فالقاهرة والرياض لا تبحثان فقط عن إدارة أزمات اليوم، وإنما عن صياغة أدوات أكثر فاعلية للتعامل مع إقليم يتغير بسرعة، وتزداد فيه أهمية التنسيق بين القوى العربية الرئيسية.

حسن النجار كاتبًا صحفيا ومستشارًا في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم
حسن النجار كاتبًا صحفيا ومستشارًا في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى