بقلم حسن النجارحسن النجار يكتب

حسن النجار يكتب: الصين تختار مصر بوابة للصناعة والأسواق العالمية

حسن النجار كاتبًا صحفيا ومستشارًا في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم

حسن النجار – يكتب

لا حديث في العالم الآن يعلو على زيارة الرئيس الصيني إلى مصر، وما حملته الزيارة من رسائل سياسية واقتصادية واستثمارية تؤكد أن العلاقات المصرية الصينية دخلت مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز: الشراكة والعمل والإنتاج وصناعة المستقبل.

في مصر، تسود حالة من التفاؤل والأمل بما يمكن أن تثمر عنه هذه الزيارة من استثمارات ومشروعات جديدة، خاصة في قطاع الصناعة، الذي يمثل أحد أهم مفاتيح التنمية الحقيقية، وركيزة أساسية لبناء اقتصاد قوي قادر على المنافسة والتصدير.

أما في الخارج، فلا تزال أصداء التقارب المصري الصيني تثير الدهشة والتوقعات، بل والمخاوف لدى البعض من اتساع نطاق هذه الشراكة ووصولها إلى مستويات ربما لم تكن متوقعة لدى كثيرين.

ولكن بعيدًا عن دهشة الآخرين، فإن لكل دولة الحق في البحث عن مصالح شعبها، والعمل من أجل تحقيق مستقبل أفضل لأبنائها. ومصر اختارت بوضوح طريق العمل والإنتاج والصناعة والاستثمار، بدلًا من الاعتماد على القروض والمنح، لأن الاقتصاد القوي لا يبنى إلا بامتلاك أدوات الإنتاج وتعظيم القدرات الصناعية والتصديرية.

الزيارة التي استمرت ثلاثة أيام حملت الكثير من المعاني والدلالات، ولم تكن مجرد لقاءات سياسية أو توقيع اتفاقيات، وإنما جاءت في توقيت مهم تعيش فيه مصر مرحلة جديدة من البناء والتنمية، بعد سنوات طويلة من الإصلاح والعمل الشاق،

تحمل خلالها الشعب المصري أعباء اقتصادية كبيرة، وصبر على إجراءات الإصلاح، انتظارًا للحظة جني ثمار ما تم إنجازه.

وهنا يجب أن نتوقف أمام ما شهدته مصر خلال السنوات الماضية من مشروعات ضخمة في البنية التحتية، وتطوير شبكات الطرق والمواصلات، وإنشاء المدن الجديدة، وتحديث الموانئ والمناطق الصناعية، إلى جانب ما تمتلكه مصر من موقع جغرافي فريد، وسوق كبيرة، وقوة بشرية، واستقرار مؤسسات الدولة، وجيش وطني قوي يمتلك أحدث منظومات التسليح والتكنولوجيا.

كل هذه المقومات تجعل مصر نموذجًا جاذبًا للاستثمارات، خاصة الاستثمارات الصناعية التي تستهدف الإنتاج والتصدير إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.

وهنا أريد أن أفرق بين مستثمر تسعى الدولة إلى دعوته وإقناعه بالاستثمار على أرضها، وبين مستثمر يأتي بنفسه لأنه يرى أن الاستثمار في هذه الدولة يمثل فرصة حقيقية لمستقبل أعماله.

ولتقريب الصورة، يمكن أن نتخيل شابًا يتقدم إلى وظيفة في شركة تعلن عن حاجتها إلى موظفين في تخصصات معينة. يرسل الشاب سيرته الذاتية ومؤهلاته، وتوضع أوراقه وسط مئات المتقدمين، ثم ينتظر إما اتصالًا من الشركة لاختياره، أو لا يأتي الاتصال.

لكن هناك شابًا آخر تبحث عنه الشركات بنفسها، وتسعى إلى الاستفادة من خبراته ومؤهلاته، لأنها ترى أن وجوده لديها سيضيف إليها ويحقق أهدافها وخططها المستقبلية.

وهذا، في تقديري، هو الفارق الذي يجب أن ندركه في حالة مصر اليوم.

فمصر لم تعد تبحث فقط عن المستثمر، وإنما أصبحت تمتلك من المقومات ما يجعل المستثمر نفسه يرى فيها فرصة استثمارية واعدة.

وبالطبع، فإن العلاقات المصرية الصينية المتميزة تمثل عاملًا مهمًا في هذا الاتجاه، لكن المصالح المشتركة تظل هي المحرك الأساسي لأي شراكة اقتصادية ناجحة.

مصر لديها خطط واضحة لتحقيق التنمية، وزيادة الإنتاج الصناعي، وإنشاء مصانع قادرة على إنتاج سلع ذات جودة تنافسية، ليس فقط لتلبية احتياجات السوق المحلية، وإنما لفتح أسواق جديدة أمام المنتج المصري.

وهنا تبرز أهمية مستهدفات الدولة المصرية في زيادة الصادرات، والوصول بها إلى مستويات تتناسب مع حجم الاقتصاد المصري وإمكاناته.

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل تستطيع الاتفاقيات والبروتوكولات التي تم التوصل إليها خلال هذه المرحلة أن تتحول إلى مشروعات إنتاجية حقيقية تحقق هذه المستهدفات؟

الإجابة لن تكون في البيانات أو التصريحات، وإنما في المصانع التي ستقام، وفرص العمل التي ستوفرها، وحجم الإنتاج الذي سيخرج منها، ونسبة المكون المحلي، وقدرتها على التصدير والمنافسة في الأسواق العالمية.

ومن أبرز المؤشرات التي تستحق التوقف أمامها، الانتشار المتزايد للسيارات الصينية في السوق المصرية، إلى جانب الخطط المتعلقة بإنشاء وتوسيع مصانع السيارات، وخاصة السيارات الكهربائية، خلال السنوات المقبلة.

الصين نفسها تبحث عن أسواق ومواقع جديدة للتصنيع، وتسعى إلى التوسع خارج حدودها، سواء للاستفادة من الأسواق الواعدة، أو لتقليل تكاليف الإنتاج، أو للوصول بصورة أسرع إلى الأسواق المستهدفة.

وهنا تأتي مصر في موقع متقدم، بفضل موقعها الجغرافي، واتفاقياتها التجارية، وقربها من الأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية، فضلًا عن امتلاكها بنية أساسية متطورة وموانئ ومناطق صناعية وشبكة طرق ومواصلات تساعد على حركة التجارة والاستثمار.

والأهم من ذلك أن الحديث لم يعد يدور فقط حول تجميع السيارات الصينية في مصر، وإنما عن الانتقال إلى مرحلة التصنيع الحقيقي، بما يعنيه ذلك من إقامة مصانع متكاملة، وزيادة نسبة المكون المحلي، ونقل التكنولوجيا، وتأهيل العمالة المصرية، ثم الانطلاق بالمنتج من مصر إلى الأسواق الإفريقية والشرق أوسطية والأوروبية.

وهذا هو الفارق بين أن تكون مصر مجرد سوق لمنتجات الآخرين، وبين أن تتحول إلى قاعدة صناعية وإنتاجية تنطلق منها المنتجات إلى العالم.

كما أن امتلاك مصر شبكة واسعة من الاتفاقيات التجارية مع العديد من الأسواق والتجمعات الاقتصادية يمنح المستثمرين ميزة إضافية، ويجعل الإنتاج داخل مصر بوابة مهمة للوصول إلى أسواق متعددة.

والأهم أن مصر دولة تحترم التزاماتها واتفاقياتها، وتعمل على تعزيز الثقة مع شركائها، وهي نقطة شديدة الأهمية بالنسبة لأي مستثمر يبحث عن بيئة مستقرة وآمنة لاستثماراته على المدى الطويل.

أيها السادة..

القادم لمصر قد يكون أعظم بكثير مما كنا نتوقع، إذا نجحنا في تحويل هذه الشراكات والاستثمارات إلى إنتاج حقيقي، وصناعة متقدمة، وفرص عمل، وصادرات، ونقل للتكنولوجيا.

مصر لا تحتاج إلى أن تكون مجرد دولة تستقبل الاستثمارات، وإنما يجب أن تصبح دولة تصنع وتنتج وتصدر وتنافس.

وما شهدته العلاقات المصرية الصينية خلال هذه المرحلة يمكن أن يكون خطوة مهمة على هذا الطريق، إذا أحسنّا استثمار الفرصة، ووضعنا مصلحة مصر أولًا، وحولنا الاتفاقيات من أوراق إلى مصانع، ومن بروتوكولات إلى إنتاج، ومن استثمارات إلى قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.

مصر تستحق مكانة تليق بتاريخها وإمكاناتها وموقعها وشعبها.

وبإذن الله، ومع العمل والإنتاج والصبر، ستظل مصر قادرة على صناعة مستقبلها بنفسها، لتصل إلى المكانة التي تستحقها، وتصبح كما قال الرئيس عبدالفتاح السيسي: « مصر أد الدنيا».

حسن النجار يكتب الصين تختار مصر بوابة للصناعة والأسواق العالمية
حسن النجار يكتب الصين تختار مصر بوابة للصناعة والأسواق العالمية

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى