حسن النجار يكتب : مصر في قمة بريكس رسائل استراتيجية للعالم
حسن النجار كاتبًا صحفيا ومستشارًا في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم
بقلم : حسن النجار
لم تكن مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة تجمع «بريكس» الثامنة عشرة في نيودلهي مجرد مشاركة في اجتماع دولي جديد، وإنما جاءت في توقيت بالغ الأهمية، يعكس حرص مصر على ترسيخ حضورها داخل أحد أهم أطر التعاون الاقتصادي والسياسي للدول الصاعدة،
وتوسيع دوائر الشراكة الدولية، بما يخدم المصالح المصرية ويدعم توجه القاهرة نحو بناء علاقات متوازنة ومتعددة الاتجاهات.
وتحمل المشاركة المصرية في قمة بريكس 2026، التي استضافتها الهند يومي 12 و13 سبتمبر، رسائل واضحة إلى العالم، في مقدمتها أن مصر تنظر إلى عضويتها في التجمع باعتبارها منصة لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري والتنموي،
إلى جانب دورها السياسي في قضايا المنطقة والعالم، وليس باعتبارها اصطفافاً ضد طرف دولي أو بديلاً عن علاقاتها التاريخية مع شركائها التقليديين.
ومن خلال تحركات الرئيس السيسي ولقاءاته مع قادة الدول المشاركة، تبدو مصر حريصة على الجمع بين البعد السياسي والاقتصادي في تحركها داخل بريكس؛ فهي من ناحية تعزز علاقاتها الاستراتيجية مع القوى الدولية الكبرى،
ومن ناحية أخرى تفتح مسارات أوسع أمام الاستثمارات والتجارة ونقل التكنولوجيا والتعاون في مجالات الصناعة والطاقة والنقل والبنية الأساسية.
رسائل مصر إلى العالم
أولى الرسائل أن مصر لاعب إقليمي قادر على التحرك داخل أكثر من دائرة دولية في الوقت نفسه، دون التخلي عن ثوابتها أو الدخول في سياسة المحاور. فالقاهرة تمتلك علاقات استراتيجية مع روسيا والصين والهند، وفي الوقت نفسه تحافظ على شراكاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول العربية والإفريقية.
أما الرسالة الثانية فتتمثل في أن مصر لا تريد أن تكون عضويتها في بريكس ذات طابع سياسي فقط، وإنما تستهدف تحويلها إلى فرص اقتصادية واستثمارية حقيقية،
خاصة في ظل موقعها الجغرافي الذي يجعلها حلقة وصل بين إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، فضلاً عن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وما توفره من فرص للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة.
والرسالة الثالثة أن القاهرة تدعم إصلاح النظام الاقتصادي والمالي الدولي بما يمنح الدول النامية والاقتصادات الصاعدة وزناً أكبر في مؤسسات صنع القرار العالمي، وهو توجه يتوافق مع النقاشات التي شهدتها قمة بريكس بشأن إصلاح المؤسسات المالية الدولية وتعزيز تمثيل دول الجنوب العالمي.
كما تحمل المشاركة المصرية رسالة أخرى تتعلق بأهمية تنويع أدوات التمويل والتجارة الدولية، خصوصاً من خلال تشجيع استخدام العملات المحلية وتطوير أنظمة دفع عابرة للحدود. وهذه النقطة مهمة لمصر، لكنها لا تعني الانفصال عن الدولار أو النظام المالي العالمي،
وإنما تعني تنويع الخيارات وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على عملة واحدة في بعض المعاملات. وقد أكدت قمة نيودلهي الاتجاه نحو تسهيل التسويات والاستثمارات بالعملات المحلية وتطوير آليات دفع أكثر كفاءة وأماناً بين الدول الأعضاء.
فرص اقتصادية حقيقية أمام مصر
تمتلك مصر، من خلال بريكس، فرصة لتعزيز التعاون التجاري والاستثماري مع الاقتصادات الكبرى داخل التجمع، وعلى رأسها الصين والهند وروسيا، إلى جانب بقية الدول الأعضاء.
وتبرز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كواحدة من أهم نقاط الجذب للاستثمارات المرتبطة بهذا المسار، خصوصاً في قطاعات التصنيع والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والصناعات التكنولوجية وسلاسل الإمداد.
كما يمثل بنك التنمية الجديد أحد الأدوات المهمة التي يمكن لمصر توظيفها لتمويل مشروعات التنمية والبنية الأساسية. ومصر عضو في البنك منذ عام 2023، وقد شهدت القاهرة بالفعل تحركات لتعزيز التعاون مع البنك واستكشاف فرص تمويل مشروعات التنمية المستدامة والبنية الأساسية والقطاع الخاص.
ومن هنا، فإن الفرصة الحقيقية ليست في الحصول على تمويل لمجرد التمويل، وإنما في إعداد ملفات مشروعات متكاملة ذات عائد إنتاجي وتصديري، خاصة في مجالات المياه والطاقة النظيفة والنقل والصناعة والتكنولوجيا والتحول الأخضر.
لا بد من الواقعية في التعامل مع بريكس
ورغم أهمية هذه الفرص، فإن التعامل مع بريكس باعتباره حلاً فورياً لكل مشكلات الاقتصاد المصري سيكون قراءة غير دقيقة.
فالتجمع نفسه لا يمثل كتلة اقتصادية متجانسة بالكامل، وتوجد بين أعضائه مصالح متباينة وتنافسات سياسية واقتصادية، كما أن مسألة تقليل الاعتماد على الدولار يجري التعامل معها تدريجياً عبر تعزيز العملات المحلية وأنظمة الدفع، وليس من خلال إطلاق عملة موحدة لبريكس في الوقت الراهن.
ومن ثم، فإن المكسب المصري الحقيقي يتمثل في تنويع مصادر التمويل والتجارة والاستثمار، وليس استبدال شريك دولي بآخر.
وهنا تأتي أهمية الحفاظ على التوازن في السياسة الخارجية المصرية؛ فبريكس لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تحالفاً موجهاً ضد الولايات المتحدة أو أوروبا، وهو ما أكدته الهند خلال القمة، بينما ركزت اجتماعات التجمع على توسيع دور دول الجنوب العالمي وتعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي.
المطلوب: الانتقال من العضوية إلى المشروعات
أعتقد أن المرحلة المقبلة تتطلب من مصر الانتقال من مرحلة الاستفادة السياسية من عضوية بريكس إلى تعظيم العائد الاقتصادي المباشر.
وهذا يتطلب إعداد حزمة مشروعات قومية قابلة للتمويل والتنفيذ، وطرحها أمام بنك التنمية الجديد، مع إعطاء الأولوية للمشروعات التي تزيد الإنتاج المحلي، وتخفض فاتورة الاستيراد، وتخلق فرصاً للتصدير إلى أسواق إفريقيا وآسيا والدول العربية.
كما يجب تكثيف التعاون مع الهند والصين في مجالات الصناعات الدوائية والتكنولوجيا والصناعات الهندسية، والعمل على نقل الخبرات والتكنولوجيا إلى مصر بدلاً من الاكتفاء باستيراد المنتجات النهائية.
ويمكن أن تمثل المدن الصناعية والطبية الجديدة في مصر قاعدة مهمة لهذا التعاون، خصوصاً إذا ارتبطت الاستثمارات الأجنبية ببرامج واضحة لنقل التكنولوجيا وتدريب العمالة المصرية وإنتاج سلع موجهة للسوق المحلية والأسواق الإفريقية.
مصر والجنوب العالمي
المكسب الأوسع لمصر من بريكس لا يرتبط فقط بحجم الاستثمارات أو التمويلات المحتملة، وإنما بقدرتها على ترسيخ موقعها كحلقة وصل بين العالم العربي وإفريقيا وآسيا، والمساهمة في التعبير عن مصالح الدول النامية داخل المنظمات والتجمعات الدولية.
وهنا تستطيع القاهرة الدفع باتجاه ملفات تمس الأمن الاقتصادي للدول النامية، وفي مقدمتها الأمن الغذائي وأمن الطاقة ونقل التكنولوجيا وإصلاح المؤسسات المالية الدولية، مع التأكيد على احترام سيادة الدول والقانون الدولي والحلول السياسية للأزمات.
وقد عكست قمة نيودلهي هذا الاتجاه من خلال التركيز على التعاون الاقتصادي والتمويل بالعملات المحلية، إلى جانب ملفات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن الغذائي والطاقة والقضايا الجيوسياسية، فضلاً عن الدعوة إلى معالجة أزمات المنطقة بالحوار والدبلوماسية.

الخلاصة
في تقديري، فإن الرسالة الأهم التي حملتها مصر إلى قمة بريكس هي أن القاهرة لا تبحث عن بديل لمحور دولي، وإنما تبني شبكة أوسع من الشراكات التي تمنح الاقتصاد المصري خيارات أكبر وقدرة أعلى على الحركة.
وبالتالي، فإن نجاح مصر في بريكس لن يقاس بعدد اللقاءات أو البيانات الصادرة عن القمم، وإنما بما يتحول على الأرض إلى مصانع واستثمارات وصادرات وتكنولوجيا وتمويل ميسر ومشروعات إنتاجية.
إن بريكس يمكن أن يمثل لمصر نافذة استراتيجية مهمة لتنويع الشراكات الاقتصادية والمالية، لكن تحويل هذه الفرصة إلى مكاسب ملموسة يحتاج إلى رؤية طويلة المدى، ومشروعات جاهزة، ودبلوماسية اقتصادية نشطة، وخطاب واقعي يبتعد عن فكرة «الحل السحري» للأزمة الاقتصادية.
مصر تمتلك الموقع، والسوق، والقدرة على لعب دور محوري بين الشرق والغرب والجنوب العالمي.. ويبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذا الموقع إلى قوة اقتصادية إنتاجية مستدامة.







