بقلم – حسن النجار : السيسي ومصر.. عندما يصبح الدفاع عن الوطن موقفًا لا يحتمل المساومة
حسن النجار كاتبًا صحفيا ومستشارًا في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم
بقلم | حسن النجار
في زمن تختلط فيه الحقائق بالشائعات، وتتداخل فيه الحسابات السياسية بالمصالح الإقليمية والدولية، تبقى مصر أمام اختبار تاريخي لا يتعلق فقط بقدرتها على حماية حدودها ومقدراتها، وإنما بقدرتها أيضًا على الحفاظ على قرارها الوطني المستقل، وعدم السماح لأي قوة خارجية بأن تفرض عليها ما لا يتفق مع مصالح شعبها وأمنها القومي.
ومن هذا المنطلق، فإن مواقف الرئيس عبد الفتاح السيسي تجاه القضية الفلسطينية والحفاظ على الأمن القومي المصري تستحق قراءة هادئة بعيدًا عن المزايدات السياسية أو حملات التشويه.

الرئيس السيسي أكد في أكثر من مناسبة أن مصر لن تقبل بتصفية القضية الفلسطينية أو تهجير الفلسطينيين قسرًا من أرضهم، وأن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة تمثل أساسًا لا غنى عنه لتحقيق سلام حقيقي ودائم في المنطقة.
وهنا تكمن أهمية الموقف المصري؛ فالقضية الفلسطينية بالنسبة إلى القاهرة ليست ورقة للمساومة، ولا ملفًا عابرًا في أجندة السياسة الخارجية، وإنما قضية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالأمن القومي المصري وباستقرار المنطقة كلها.
لقد تعاملت مصر مع الحرب في غزة باعتبارها أزمة إنسانية وسياسية وأمنية في آن واحد، وتحركت على أكثر من مسار من أجل وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، وفتح الطريق أمام تسوية سياسية تمنح الفلسطينيين حقهم في إقامة دولتهم، مع رفض أي مخطط يؤدي إلى اقتلاعهم من أرضهم.
وهذا الموقف لم يكن سهلًا، لأن المنطقة تشهد صراعًا معقدًا تتداخل فيه حسابات دولية وإقليمية شديدة الحساسية. ومع ذلك، حافظت القاهرة على خطابها السياسي القائم على أن مصر لن تتخلى عن ثوابتها، ولن تسمح بأن تكون سيناء أو الأراضي المصرية جزءًا من أي ترتيبات تستهدف تغيير طبيعة الصراع أو فرض واقع جديد على حساب الأمن القومي المصري.

ولذلك فإن الحديث عن موقف الرئيس السيسي يجب ألا ينفصل عن حقيقة أكبر، وهي أن الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة عملت على بناء شبكة واسعة من العلاقات الدولية، شرقًا وغربًا، تقوم على تنويع الشراكات وعدم الارتهان لطرف واحد.
فمصر تتعاون مع الصين وروسيا والهند ودول أوروبا والولايات المتحدة وغيرها، وتسعى إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية بما يخدم مصالحها. وهذه السياسة لا تعني بالضرورة الدخول في تحالفات عدائية ضد دولة بعينها، وإنما تعكس رغبة مصر في امتلاك أكبر قدر ممكن من الحركة والاستقلال في عالم شديد الاستقطاب.

والأمر نفسه ينطبق على علاقة مصر بالقضية الفلسطينية؛ فالقاهرة لا تتحرك فقط باعتبارها دولة عربية كبرى، وإنما باعتبارها دولة لها حدود مباشرة مع قطاع غزة، ولها تاريخ طويل من التعامل مع القضية الفلسطينية، كما أنها طرف رئيسي في جهود الوساطة بين الأطراف المختلفة.
أما حملات التشويه التي تستهدف الرئيس أو مؤسسات الدولة المصرية، فيجب التعامل معها بعقلانية ووعي. فالمعارك السياسية الحديثة لم تعد تعتمد فقط على المواجهة المباشرة، وإنما أصبحت الشائعة والمعلومة المضللة وأدوات التأثير الإعلامي جزءًا من الصراع.
وهنا تظهر أهمية وعي المصريين؛ لأن حماية الدولة لا تكون بالقوة العسكرية وحدها، وإنما أيضًا بالوعي والقدرة على التمييز بين الخبر والتحريض، وبين النقد الوطني المسؤول ومحاولات استغلال الأزمات لضرب ثقة المواطن في مؤسسات دولته.
وفي هذا السياق، فإن جماعة الإخوان المسلمين تمثل فصلًا مهمًا في التجربة السياسية المصرية الحديثة، وهي تجربة لا تزال آثارها محل جدل واسع داخل المجتمع المصري.
ومن حق المصريين أن يناقشوا تلك التجربة وأن يختلفوا حولها، لكن الأهم أن يكون النقاش قائمًا على الوثائق والحقائق، وليس على روايات غير موثقة أو اتهامات يتم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
مصر اليوم ليست دولة تبحث عن صدام مع أحد، وإنما دولة تسعى إلى حماية مصالحها، والحفاظ على حدودها، وتعزيز اقتصادها، وتوسيع علاقاتها الدولية، والقيام بدورها التاريخي في محيطها العربي والإفريقي والدولي.
ومن هنا يمكن فهم الرسالة الأساسية في خطاب الرئيس السيسي: الأمن القومي المصري خط أحمر، والسيادة المصرية ليست محل تفاوض، وأي حل إقليمي يجب ألا يكون على حساب مصر أو الشعب الفلسطيني.
قد يختلف المصريون في تقييم بعض السياسات أو القرارات، وهذا حق أصيل في أي مجتمع، لكن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى هدم للدولة أو تشويه لكل مؤسساتها.
أما حب مصر، فلا يحتاج إلى شعارات فقط، وإنما يحتاج إلى عمل ووعي ومسؤولية، وإلى إدراك أن الدول لا تحميها الأمنيات، وإنما تحميها مؤسسات قوية وشعب واعٍ وقرار سياسي مستقل.
وفي النهاية، تبقى مصر أكبر من الأشخاص، وأبقى من الحكومات، وأقوى من الأزمات.
وإذا كان هناك درس واضح من السنوات الأخيرة، فهو أن مصر لا تستطيع أن تسمح لأحد بأن يرسم لها مستقبلها من خارج حدودها.
تحيا مصر.. وطنًا وشعبًا ودولة.








