حسن النجار يكتببقلم حسن النجار

حسن النجار يكتب: مصر في مواجهة تحديات الإقليم وحروب الوعي

حسن النجار كاتبًا صحفيا ومستشارًا في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم

بقلم | حسن النجار 

لم يعد أمن الدولة المصرية بمعزل عن التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، في ظل صراعات ممتدة على حدود مصر ومحيطها الإقليمي، من غزة والسودان وليبيا إلى أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية، بالتوازي مع ضغوط اقتصادية ومائية متزايدة.

وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات الرئيس عبدالفتاح السيسي الأخيرة أهمية خاصة، بعدما أكد أن ما حدث في الفترة من 2011 إلى 2013 لم ينتهِ، وأن محاولات إسقاط الدولة ما زالت قائمة، مشددًا في الوقت نفسه على أن الحفاظ على الدولة المصرية مسؤولية مشتركة، وليست مرتبطة بشخص الرئيس أو الحكومة.

تحديات متعددة حول الدولة المصرية

المشهد الإقليمي يضع مصر أمام مجموعة متشابكة من التحديات؛ فالحرب في السودان تمثل ضغطًا مباشرًا على الأمن الإقليمي والحدود الجنوبية، بينما تظل تطورات قطاع غزة وانعكاساتها الإنسانية والأمنية والسياسية حاضرة بقوة، فضلًا عن الاضطرابات التي تؤثر في حركة الملاحة بالبحر الأحمر.

وفي الداخل، تتقاطع هذه التحديات مع ملفات اقتصادية ومائية وتنموية تحتاج إلى إدارة مستمرة، وفي مقدمتها تأمين الموارد وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية، بما يحافظ على استقرار الدولة ويحد من تأثير الأزمات الإقليمية والدولية.

الوعي مسؤولية المجتمع

الرسالة الأبرز في حديث الرئيس السيسي تمثلت في التأكيد على أن الحفاظ على الدولة لا يخص مؤسسة بعينها، وإنما هو مسؤولية المجتمع بأكمله، من مؤسسات وأسر وشباب وإعلام ومفكرين.

كما حذر الرئيس من الاستعلاء بالمناصب أو الوظائف أو التدين أو الشعور بالاستقامة، مؤكدًا أهمية بناء الإنسان وتأهيل الكوادر وفق معايير موضوعية بعيدًا عن المجاملة أو المحاباة.

وهنا تصبح معركة الوعي جزءًا أساسيًا من مواجهة الأزمات؛ فالمواطن الذي يمتلك المعلومات الصحيحة والقدرة على التمييز بين الخبر والشائعة يكون أكثر قدرة على فهم ما يدور حوله، وأقل عرضة للتضليل والاستقطاب.

الإعلام والمصارحة

تحتاج المرحلة الراهنة إلى إعلام أكثر سرعة ودقة وقدرة على تقديم المعلومات الموثوقة، خصوصًا في الملفات التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.

فغياب المعلومة يفتح المجال أمام الشائعات، بينما تساعد المصارحة والبيانات الدقيقة على بناء الثقة وتقليل مساحة التفسيرات غير الموثقة. ولذلك فإن تطوير الأداء الإعلامي، والاعتماد على الأرقام والحقائق، وتبسيط المعلومات للجمهور، تمثل جميعها أدوات مهمة في حماية الوعي العام.

الاقتصاد والإنتاج وتعزيز القدرة على الصمود

كما أن تعزيز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الأزمات يتطلب استمرار العمل على زيادة الإنتاج المحلي، وتوطين الصناعات، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم الأمن الغذائي والمائي، إلى جانب تنويع مصادر الدخل والاستثمار.

ولا تنفصل هذه الملفات عن الأمن القومي؛ فالدولة الأكثر قدرة على إنتاج احتياجاتها الأساسية تكون أقل تأثرًا بتقلبات الأسواق والأزمات العالمية.

دولة المؤسسات هي خط الدفاع الأول

الحفاظ على الدولة لا يرتبط بالأفراد بقدر ارتباطه بقوة مؤسساتها وقدرتها على العمل وفق قواعد واضحة ومستدامة.

ومن هنا تأتي أهمية دعم المؤسسات التنفيذية والخدمية والرقابية، وترسيخ العدالة وتكافؤ الفرص، وتحسين الخدمات، وتعزيز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.

فمصر تواجه بالفعل بيئة إقليمية شديدة التعقيد، لكن التعامل مع هذه التحديات يحتاج إلى وعي هادئ، ومعلومات دقيقة، ومؤسسات قوية، وجبهة داخلية متماسكة.

حسن النجار كاتبًا صحفيا ومستشارًا في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم
حسن النجار كاتبًا صحفيا ومستشارًا في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم

كلمة أخيرة

مصر ليست ملكًا لشخص أو حكومة، وإنما هي وطن لملايين المصريين، والحفاظ عليها مسؤولية مشتركة. والمرحلة الراهنة تفرض أن تنتقل معركة الوعي من رد الفعل إلى العمل المنظم، عبر إعلام مهني، وتعليم أكثر ارتباطًا بالتفكير النقدي، واقتصاد أكثر قدرة على الصمود، ومؤسسات تعمل بكفاءة وعدالة.

إن قوة الدولة المصرية لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة الأزمات الخارجية، وإنما كذلك بقدرتها على بناء مجتمع واعٍ، واقتصاد منتج، ومؤسسات مستقرة، وهو ما يجعل الوعي والبناء الداخلي جزءًا أساسيًا من حماية الأمن القومي المصري.

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى