كتبت | عزة كمال
تتصاعد المخاوف في ليبيا بشأن أمن منشآت الطاقة، عقب استهداف خزانات وقود في مستودع البريقة بطريق المطار في العاصمة طرابلس، بواسطة طائرة مسيّرة، في حادث يعيد ملف حماية المنشآت النفطية إلى واجهة المشهد، خاصة مع تكرار الهجمات التي تستهدف مواقع مرتبطة بقطاع الطاقة خلال الأسابيع الأخيرة.
ويأتي الهجوم الجديد بعد نحو ثلاثة أسابيع من استهداف خزان نفطي في مدينة الزاوية بطائرة مسيّرة، ما تسبب في اندلاع حريق واسع استمر عدة أيام، قبل أن تمتد تداعيات التوتر إلى منشآت أخرى مرتبطة بالطاقة، من بينها محطة كهرباء الزاوية، وسط تساؤلات متزايدة بشأن الجهات التي تمتلك القدرة على تنفيذ مثل هذه الهجمات والدوافع وراء استهداف مواقع حيوية في قلب العاصمة.
أضرار مادية دون إصابات
وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أن طائرة مسيّرة استهدفت، الخميس، خزانات الوقود في مستودع البريقة بطريق المطار، مؤكدة رفع درجة الجاهزية لدى فرق الطوارئ، والبدء في سحب الوقود من الخزانات وخفض منسوبه كإجراء احترازي لتقليل المخاطر المحتملة.
من جانبه، أكد مدير إدارة الإعلام في شركة البريقة لتسويق النفط أحمد المسلاتي، أن ميناء طرابلس البحري عاد إلى العمل بصورة طبيعية، وأن عمليات استقبال الشحنات النفطية وتلبية احتياجات محطات الوقود تسير وفق البرنامج التشغيلي المعتمد، بعد توقف مؤقت على خلفية استهداف خزانات الوقود.
وأوضح المسلاتي أن شظايا الجسم الطائر تسببت في أضرار مادية محدودة طالت عددًا من خطوط الأنابيب، إلى جانب الخزانين 213 و220، مشيرًا إلى عدم تسجيل أي إصابات بشرية جراء الحادث.
وأضاف أن الفرق الفنية تواصل أعمال المعاينة والتقييم لحجم الأضرار، بالتزامن مع التحقيقات الأمنية الرامية إلى تحديد طبيعة الجسم الطائر ومصدره والجهة المسؤولة عن الهجوم.
تكرار الاستهداف يثير القلق
ورغم محدودية الأضرار المباشرة التي خلفها الهجوم الأخير، فإن تكرار استهداف المنشآت النفطية والكهربائية يثير مخاوف واسعة بشأن قدرة السلطات على تأمين البنية التحتية الحيوية في البلاد.
ويعيد الحادث إلى الأذهان سنوات طويلة من الاضطرابات التي تعرض لها قطاع الطاقة الليبي، إذ شهدت البلاد منذ عام 2013 موجات متكررة من إغلاق الحقول والموانئ وخطوط نقل النفط، بدأت في مناطق الهلال النفطي قبل أن تمتد إلى مناطق أخرى في الشرق والغرب والجنوب.
وغالبًا ما ارتبطت عمليات تعطيل الإنتاج والتصدير بخلافات سياسية أو مطالب مالية وأمنية، ما جعل قطاع الطاقة أحد أبرز ساحات الصراع والتنافس على النفوذ في ليبيا.
وتزداد حساسية الوضع في ظل ارتفاع إنتاج النفط الليبي إلى مستويات قياسية، الأمر الذي يجعل حماية منشآت التخزين والنقل والتصدير ضرورة اقتصادية وأمنية في الوقت نفسه.
وكانت المؤسسة الوطنية للنفط قد أعلنت في يونيو الماضي أن إنتاج ليبيا من الخام بلغ نحو 1.44 مليون برميل يوميًا، فيما وصل إنتاج الخام والمكثفات معًا إلى نحو 1.49 مليون برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى منذ عام 2013، بينما تجاوز إنتاج الغاز 73.3 مليار قدم مكعب خلال الشهر.
وتعني هذه المستويات المرتفعة أن أي اضطراب يطال منشآت الإنتاج أو التخزين أو النقل والتصدير قد تكون له تداعيات تتجاوز قطاع النفط، لتصل إلى إمدادات الوقود والكهرباء وإيرادات الدولة.
من يقف وراء الهجمات؟
وترى الخبيرة النفطية والمسؤولة السابقة بالمؤسسة الوطنية للنفط نجوى البشتي، أن استهداف مستودع البريقة قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على قطاع الطاقة، في ظل استمرار التحديات الأمنية وصعوبة فرض سيطرة كاملة على بعض المناطق في غرب ليبيا.
وأشارت إلى أن موقع خزانات البريقة بطريق المطار يقع ضمن نطاق مناطق تشهد نفوذًا لتشكيلات مسلحة، إلا أن تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم يظل من اختصاص الجهات الأمنية والتحقيقات الرسمية.
وربطت البشتي بين التطورات الأخيرة وعدد من الضغوط التي يعانيها قطاع الطاقة، وفي مقدمتها صعوبات توفير الوقود، وانتشار عمليات تهريب المنتجات النفطية، إلى جانب الجدل المستمر حول آليات استيراد الوقود وحجم الإنفاق المرتبط بها.
كما ذكّرت بأن استهداف منشآت النفط في العاصمة ليس حادثًا غير مسبوق، مشيرة إلى الأضرار التي لحقت بخزانات النفط خلال أحداث «فجر ليبيا» عام 2014، عندما امتدت المواجهات إلى محيط مطار طرابلس.
خسائر تتجاوز قطاع النفط
ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استهداف المنشآت الحيوية لا يقتصر تأثيره على الأضرار المادية المباشرة، بل قد ينعكس على الاقتصاد الليبي بصورة أوسع، خاصة إذا تكررت الهجمات أو أدت إلى تعطيل عمليات التخزين والنقل والتوزيع.
ويرى الخبير الاقتصادي وأستاذ التمويل في الجامعات الليبية خالد الزنتوتي، أن معالجة الأزمات السياسية لا يمكن أن تتم عبر الإضرار بمصادر الطاقة، مؤكدًا أن المنشآت النفطية والكهربائية تمثل مصالح وطنية تتطلب أعلى درجات الحماية.
وأشار إلى أن استهداف المنشآت الحيوية ينطوي على أضرار اقتصادية وبيئية، فضلًا عن المخاطر التي يمكن أن تهدد حياة السكان القاطنين بالقرب من هذه المواقع.
وحذر من أن استمرار الهجمات قد يؤدي إلى تفاقم أزمات الوقود والكهرباء، فضلًا عن تكبد خسائر اقتصادية تتجاوز تكلفة إصلاح الأضرار المباشرة، لتشمل الموارد المهدرة وتراجع القدرة على تشغيل المنشآت واستثمارها بكفاءة.
الطائرات المسيّرة.. تحدٍ أمني جديد
من جانبه، يرى المحلل العسكري الليبي ومدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية أشرف بوفردة، أن التطورات الأخيرة تكشف عن امتلاك بعض التشكيلات والجماعات المسلحة في ليبيا قدرات متقدمة تشمل الطائرات المسيّرة، إلى جانب وجود عناصر قادرة على تجهيز هذه الطائرات وتشغيلها وتنفيذ عمليات استهداف من خلالها.
وأوضح أن بعض الهجمات قد ترتبط بمحاولات ممارسة الضغط على الخصوم عبر استهداف النشاط الاقتصادي، خصوصًا في ظل الصراع المرتبط بتهريب الوقود والمنتجات النفطية والغاز، والذي يمثل مصدرًا ماليًا لبعض التشكيلات المسلحة.
واعتبر أن امتلاك جهات وأفراد خارج مؤسسات الدولة لهذه القدرات يمثل تطورًا أمنيًا لافتًا، وقد يفرض تحديات أكبر على السلطات خلال المرحلة المقبلة.
ودعا إلى تعزيز إجراءات حماية المنشآت النفطية والكهربائية الحيوية، وتوفير وسائل متخصصة لرصد الطائرات المسيّرة والتعامل معها، إلى جانب تشديد الإجراءات الأمنية حول مواقع تخزين ونقل الطاقة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن حماية قطاع الطاقة الليبي لم تعد مرتبطة فقط بتأمين الحقول والموانئ، وإنما أصبحت تشمل مواجهة تهديدات جديدة تستهدف منشآت التخزين والنقل والتوزيع، في وقت يمثل فيه النفط المصدر الأهم لإيرادات الدولة، ما يجعل استمرار استقرار القطاع عاملًا أساسيًا للحفاظ على الاقتصاد الليبي وتلبية احتياجات المواطنين.







