بقلم حسن النجار

بقلم: حسن النجار – تغيير الحكومات ضرورة.. والمسؤولية ليست منصبًا أبديًا

الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار ورئيس تحرير الوطن اليوم وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية الدولية

بقلم: حسن النجار

بعيدًا عن تقييم حكومة الدكتور مصطفى مدبولي ووزرائها، وبغض النظر عن مدى كفاءتها أو نجاحها أو إخفاقها في إدارة الملفات المختلفة، فإن تجديد الدماء في مواقع المسؤولية يظل ضرورة سياسية وإدارية،

لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حكمًا مسبقًا على الأشخاص، أو إنكارًا لما قد يحققونه من إنجازات. فاستمرار الحكومات ورؤسائها وبعض الوزراء لسنوات طويلة يمثل استثناءً لا ينبغي أن يتحول إلى قاعدة تحكم الحياة السياسية.

تجديد الدماء قيمة دستورية وسياسية

عندما تحدد الدساتير مددًا للرئاسة، فإن الهدف لا يقتصر على تنظيم تداول السلطة، بل يمتد إلى ترسيخ مبدأ تجديد الدماء، وضمان عدم ارتباط المناصب العامة بأشخاص بعينهم مهما بلغت قدراتهم أو تعددت إنجازاتهم. فالمناصب مسؤولية مؤقتة، والدولة أكبر من أي مسؤول، ومؤسساتها لا ينبغي أن تتوقف عند حدود تجربة فرد أو حكومة.

وقد امتد هذا التوجه إلى عدد من القوانين المنظمة للمؤسسات والهيئات، كما عرفت النقابات المهنية قواعد تحدد مدد تولي المناصب القيادية،

بما يتيح الفرصة أمام قيادات جديدة وأفكار مختلفة. وتؤكد هذه النماذج أن تداول المسؤولية وتجديد القيادات ليسا انتقاصًا من خبرات السابقين، بل ضمانة لتطوير الأداء ومنع الجمود الإداري والسياسي.

ومن هذا المنطلق، فإن استمرار الحكومات لفترات طويلة، أو بقاء بعض الوزراء في مواقعهم سنوات متتالية، يثير تساؤلات مشروعة حول فرص التجديد، وقدرة السياسات القائمة على مواكبة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية.

ومع ذلك، فإن القول بوجود مخالفة دستورية يتطلب نصًا دستوريًا أو قانونيًا محددًا ينطبق على الحالة المعنية؛ فمدد ولاية رئيس الجمهورية لا تعني تلقائيًا وجود حد أقصى مماثل لمدة بقاء رئيس الوزراء أو الوزراء في مناصبهم.

بقلم حسن النجار – تغيير الحكومات ضرورة.. والمسؤولية ليست منصبًا أبديًا
بقلم حسن النجار – تغيير الحكومات ضرورة.. والمسؤولية ليست منصبًا أبديًا

التغيير ليس تبديل أسماء.. بل تجديد للأفكار

إن جوهر التغيير لا يكمن في استبدال مسؤول بآخر فحسب، وإنما في إتاحة الفرصة أمام رؤى جديدة، وأدوات أكثر فاعلية، وحلول غير تقليدية للأزمات التي طال أمدها.

فالحكومة الجديدة قد تكون أكثر قدرة على التحرك إذا امتلكت برنامجًا واضحًا، وفريقًا منسجمًا، وإرادة حقيقية لمراجعة السياسات التي لم تحقق النتائج المرجوة.

كما أن المسؤول الذي يمكث طويلًا في منصبه قد يفقد، بمرور الوقت، جزءًا من قدرته على رؤية الواقع من خارج دائرة الأفكار المعتادة، أو يصبح أكثر ميلًا للدفاع عن قرارات سابقة بدلًا من الاعتراف بأوجه القصور وتصحيحها.

وهنا تظهر أهمية التغيير باعتباره فرصة للمراجعة والتطوير، لا مجرد إجراء شكلي تتبدل معه الوجوه وتظل السياسات على حالها.

لكن من الإنصاف أيضًا التأكيد أن الحكومة الجديدة ليست بالضرورة أفضل من سابقتها لمجرد أنها جديدة؛ فالنجاح يتوقف على الكفاءة، ووضوح الأولويات، والقدرة على التنفيذ، والاستعداد للاستماع إلى المواطنين والاستجابة لمشكلاتهم.

حكومة مدبولي.. فرص ضائعة وأسئلة مشروعة

أما عن تقييمي الشخصي لأداء حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، فأرى أنها أهدرت فرصًا عديدة كان يمكن استثمارها بصورة أفضل لتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين، ودعم الإنتاج والاستثمار، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، وتقليل الاعتماد على الاقتراض الذي يفرض أعباء متزايدة على الموازنة العامة.

فالمواطن المصري لا ينتظر من الحكومة مجرد إعلان الخطط أو استعراض حجم الجهد المبذول، وإنما يريد أن يلمس أثر السياسات في حياته اليومية،

وأن يشعر بتحسن حقيقي في قدرته على تلبية احتياجات أسرته، وأن يرى خطوات جادة نحو توفير فرص العمل وضبط الأسواق وتعزيز الإنتاج المحلي.

ومن حق المواطنين أن يتساءلوا عن نتائج السياسات الاقتصادية، وعن أسباب استمرار بعض الأزمات، وعن مدى الاستفادة من الفرص المتاحة. وهذه الأسئلة ليست استهدافًا للحكومة، بل جزء أصيل من حق المجتمع في تقييم أداء من يتولون إدارة شؤونه العامة.

وأرى كذلك أن بعض المسؤولين يبالغون في التعامل مع الانتقادات، وكأن الاعتراض على قرار أو توجيه ملاحظة إلى وزير يمثل إساءة شخصية أو انتقاصًا من مكانته. والحقيقة أن المنصب الوزاري مسؤولية سياسية عامة، وليس امتيازًا يمنح صاحبه حصانة من النقد أو المساءلة.

النقد حق للمواطن.. وليس إساءة للمسؤول

في الدول التي تتمتع بحياة سياسية نشطة، يتعرض المسؤولون لانتقادات قاسية، وتخضع قراراتهم لمناقشات علنية، ويُسألون عن نتائج أعمالهم أمام الرأي العام والبرلمانات ووسائل الإعلام.

بقلم حسن النجار – تغيير الحكومات ضرورة.. والمسؤولية ليست منصبًا أبديًا
بقلم حسن النجار – تغيير الحكومات ضرورة.. والمسؤولية ليست منصبًا أبديًا

ولا يعني ذلك بالضرورة التقليل من شأنهم، بل يعكس طبيعة المسؤولية العامة التي تقتضي الشفافية والاستعداد للمحاسبة.

ومن غير المنطقي أن يتعامل بعض الوزراء مع النقد باعتباره سببًا كافيًا للضيق أو التلويح بالابتعاد عن المنصب. فالعمل السياسي بطبيعته محفوف بالاختلاف والجدل،

ومن يقبل تولي المسؤولية عليه أن يدرك أن النقد جزء من ثمنها، وأن تقييم الأداء لا يخضع لمشاعر المسؤول، وإنما لما يحققه من نتائج.

وفي المقابل، ينبغي أن يظل النقد موضوعيًا، قائمًا على الوقائع والأدلة، بعيدًا عن التجريح الشخصي أو الاتهامات غير المستندة إلى معلومات موثوقة. فاحترام المسؤول لا يعني منحه حصانة من النقد، كما أن ممارسة النقد لا تبرر الإساءة إليه.

المصريون يعملون تحت ضغوط.. والمسؤولية تكليف

ومن الملاحظ أيضًا أن بعض الخطابات الحكومية تركز بصورة مبالغ فيها على حجم الجهد الذي يبذله الوزراء، وعدد ساعات العمل، والضغوط التي يتعرضون لها. ولا شك أن إدارة الدولة مهمة شاقة، وأن المسؤوليات الوزارية تتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين، لكن هذه الحقيقة لا تخص الوزراء وحدهم.

فملايين المصريين يعملون لساعات طويلة، وفي ظروف اقتصادية ومهنية ضاغطة، ويتحملون أعباء يومية قاسية من أجل توفير احتياجات أسرهم. وهناك قطاعات واسعة من العمال والموظفين وأصحاب المهن البسيطة تواجه تحديات لا تقل صعوبة، وربما تفوق في قسوتها ما يواجهه بعض المسؤولين.

لذلك، فإن استحضار معاناة المواطنين عند الحديث عن أعباء العمل الحكومي أمر ضروري؛ فالمنصب العام تكليف قبل أن يكون تشريفًا، والجهد المبذول لا يُقاس فقط بعدد ساعات العمل، بل بمدى انعكاسه على حياة الناس وتحقيق المصلحة العامة.

المسؤول الناجح يستمع إلى النقد ولا يخشاه

وللتخفيف من حدة الجدل حول الانتقادات التي تواجهها الحكومة، أنصح المسؤولين بمتابعة ما يقال عن الحكومات في مختلف دول العالم، ليس فقط في الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي، وإنما أيضًا في البرامج السياسية التي يناقش فيها كبار المحللين والمعلقين أداء الوزراء ورؤساء الحكومات وقراراتهم.

سيكتشفون أن النقد الحاد والمعارضة السياسية ليسا ظاهرة مصرية، ولا دليلًا بالضرورة على عدم احترام الدولة أو مؤسساتها، بل إنهما من مظاهر الحياة العامة التي تتيح للمجتمع التعبير عن مخاوفه، وتدفع المسؤولين إلى مراجعة قراراتهم وتصحيح أخطائهم.

والحكومة التي تثق في أدائها لا تخشى الأسئلة الصعبة، بل تجيب عنها بالأرقام والنتائج، وتتعامل مع الاعتراض باعتباره فرصة لاكتشاف أوجه القصور، لا معركة شخصية يتعين الانتصار فيها.

التغيير فرصة للدولة قبل أن يكون نهاية لمسؤول

في النهاية، لا يتعلق الأمر بشخص الدكتور مصطفى مدبولي وحده، ولا بوزير بعينه، وإنما بمبدأ أوسع يتصل بكيفية إدارة الدولة، وتجديد القيادات، وفتح المجال أمام أفكار جديدة قادرة على التعامل مع تحديات تتغير باستمرار.

بقلم حسن النجار – تغيير الحكومات ضرورة.. والمسؤولية ليست منصبًا أبديًا
بقلم حسن النجار – تغيير الحكومات ضرورة.. والمسؤولية ليست منصبًا أبديًا

إن استمرار المسؤول في منصبه ينبغي أن يرتبط بقدرته على تحقيق أهداف واضحة، والاستجابة لاحتياجات المواطنين، وتطوير الأداء، لا بمجرد طول مدة بقائه أو الاعتياد على وجوده.

كما أن التغيير يجب ألا يكون غاية في ذاته، وإنما وسيلة لإصلاح السياسات، وتحسين الخدمات، واستعادة ثقة المواطن في قدرة مؤسسات الدولة على معالجة مشكلاته.

وأعتقد أن من الأفضل لأي مسؤول سياسي أن يسأل نفسه بهدوء: لماذا انتهت مهمتي؟ وما الذي كان يمكنني أن أقدمه بصورة أفضل؟ بدلًا من أن يترك المواطنين يتساءلون بغضب: لماذا لا يزال في موقعه رغم ما يواجهونه من أزمات؟

فالمناصب لا تدوم لأحد، أما ما يبقى فهو أثر المسؤول في حياة الناس، وما يتركه من إنجازات حقيقية، وقدرته على احترام حق المجتمع في السؤال والمحاسبة.

إن تجديد الدماء ليس إدانة للماضي، بل استثمار في المستقبل، وليس انتقاصًا من المسؤول، بل تأكيد على أن الدولة أكبر من الأشخاص، وأن المواطن يظل صاحب الحق الأصيل في تقييم من يتولى شؤونه.

حفظ الله مصر وحفظ الله الوطن وحفظ الله الجيش المصري ورحم الله شهدائنا الابرار – تحيا مصر – تحيا مصر ؟

بقلم حسن النجار – تغيير الحكومات ضرورة.. والمسؤولية ليست منصبًا أبديًا
بقلم حسن النجار – تغيير الحكومات ضرورة.. والمسؤولية ليست منصبًا أبديًا

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى