بقلم – حسن النجار – الشرق الأوسط بين التوازنات ومخاطر الانفجار
المفكر السياسي حسن النجار في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم
الوطن اليوم – شؤون سياسية – 30 مايو 2026
بقلم | حسن النجار
لم يعد السؤال الأهم في الشرق الأوسط اليوم هو ما إذا كانت الحرب ستندلع أم لا، بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: من يمتلك القدرة على منع الانفجار الإقليمي دون أن يفقد موقعه داخل خريطة التوازنات الجديدة التي تتشكل في العالم؟
فالمنطقة تدخل مرحلة مختلفة من تاريخها السياسي والأمني، لم تعد فيها الأزمات مجرد نزاعات حدودية أو صراعات أيديولوجية تقليدية، بل أصبحت جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل النظام الدولي،
في ظل تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، واستمرار تداعيات الحرب الأوكرانية، وتراجع قدرة القوى الغربية على فرض نظام أحادي القطبية كما كان الحال بعد انتهاء الحرب الباردة.
ومن هذا المنطلق، تبدو المواجهة الأمريكية الإيرانية أكبر بكثير من كونها خلافاً حول البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي. إنها مواجهة ترتبط بمستقبل موازين القوى العالمية، وأمن الطاقة، وحماية الممرات البحرية الدولية، وحدود النفوذ الصيني، وشكل النظام الدولي الذي يتبلور في السنوات المقبلة.
وفي قلب هذا المشهد المعقد، تبرز مصر ودول الخليج العربي باعتبارها الأكثر إدراكاً لطبيعة التحولات الجارية، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي، بل أيضاً بسبب دورها المحوري في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي.
فالعالم لم يعد ينظر إلى منطقة الخليج باعتبارها مجرد مصدر للطاقة، بل بات يراها مركزاً رئيسياً لأمن التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية، خاصة بعد الاضطرابات التي شهدتها الملاحة في البحر الأحمر وما نتج عنها من تأثيرات مباشرة على حركة التجارة وأسعار الشحن والطاقة حول العالم. وفي الوقت نفسه،
استعادت مصر مكانتها الاستراتيجية باعتبارها حلقة الوصل بين البحر الأحمر وشرق المتوسط وإفريقيا والخليج، في وقت تتزايد فيه أهمية الممرات البحرية اقتصادياً وعسكرياً بصورة غير مسبوقة.
كما لا يمكن قراءة مستقبل التوازنات الإقليمية بعيداً عن الدور الإسرائيلي المتنامي، سواء من خلال الحرب في غزة، أو التحولات الأمنية في البحر الأحمر وشرق المتوسط، أو عبر تأثيره المتزايد في الحسابات الأمريكية والإقليمية، ما يجعل أي رؤية لاستقرار المنطقة غير مكتملة من دون أخذ هذا العامل في الاعتبار.
لهذا، لم يعد خيار القاهرة والرياض وأبوظبي قائماً على الانخراط الكامل في المحاور الدولية المتنافسة، بقدر ما أصبح قائماً على إدارة التوازنات وحماية المصالح الوطنية. فهذه العواصم تدرك أن العالم يتجه نحو مرحلة من السيولة السياسية والاستراتيجية، وأن الانحياز المطلق لأي طرف قد يحول المنطقة إلى ساحة صراع بالوكالة، بينما يمنحها التوازن مساحة أوسع للمناورة وحماية مكتسباتها.
ومن هنا يمكن فهم الجهود الخليجية الرامية إلى خفض التوتر مع إيران بالتوازي مع الحفاظ على الشراكات الأمنية مع الولايات المتحدة، كما يمكن فهم التحركات المصرية في ملفات غزة والبحر الأحمر والسودان وشرق المتوسط باعتبارها جزءاً من رؤية شاملة تستهدف ترسيخ الاستقرار الإقليمي، وليس مجرد إدارة أزمات منفصلة.
ورغم اتساع هامش الحركة أمام مصر ودول الخليج، فإن قدرتها على التأثير تظل مرتبطة بتوازنات دولية معقدة، وبحجم المصالح الأمنية والاقتصادية المتبادلة مع القوى الكبرى، ما يجعل إدارة هذه التوازنات مهمة دقيقة تتطلب قدراً كبيراً من الحكمة والمرونة.
واللافت أن الشرق الأوسط يشهد للمرة الأولى منذ عقود تراجعاً تدريجياً لفكرة التحالفات الصلبة لصالح ما يمكن تسميته بإدارة المصالح المرنة، حيث لم تعد الدول تبني سياساتها على مفاهيم العداء أو التحالف المطلق، بل على حسابات أكثر تعقيداً ترتبط بالاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والأمن البحري والاستقرار الداخلي.
كما أن النفوذ الإقليمي لم يعد يقاس فقط بحجم القوة العسكرية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بقدرة الدول على تحقيق التنمية المستدامة، والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتعزيز تماسكها الداخلي في مواجهة التحديات المتزايدة.
وفي هذا السياق، تبدو مصر ودول الخليج أمام فرصة تاريخية لصياغة نموذج عربي جديد يقوم على التوازن والانفتاح وحماية المصالح المشتركة، بعيداً عن الاستقطابات الحادة والشعارات التقليدية، من خلال بناء قوة اقتصادية وسياسية تجعل من الاستقرار نفسه مصلحة دولية مشتركة.
لكن هذا المسار لا يخلو من المخاطر، فالمنطقة ما تزال تتحرك فوق أرضية شديدة الحساسية. فأي خطأ عسكري في الخليج، أو تعثر مفاجئ في مسارات التفاوض مع إيران، أو تصاعد للتوترات في البحر الأحمر، قد يدفع الشرق الأوسط إلى موجة جديدة من التصعيد تتجاوز قدرة الأطراف كافة على الاحتواء.
كما أن خطورة المرحلة لا ترتبط فقط بالقرارات الكبرى، بل أيضاً بإمكانية الانزلاق إلى مواجهات غير محسوبة نتيجة سوء التقدير أو التصعيد المتبادل أو الضغوط السياسية الداخلية لدى مختلف الأطراف، وهو ما يجعل هامش الخطأ أكثر ضيقاً وخطورة من أي وقت مضى.
ويبقى التحدي الأكبر أمام دول المنطقة ليس فقط منع اندلاع الحرب، بل منع تحول الشرق الأوسط إلى ساحة استنزاف مفتوحة بين القوى الكبرى، في ظل احتدام المنافسة الأمريكية الصينية وسعي كل طرف إلى تعزيز نفوذه داخل النظام الدولي الجديد.
ولهذا، فإن الرهان الحقيقي خلال السنوات المقبلة لن يكون في امتلاك أدوات الردع وحدها، بل في القدرة على هندسة التوازنات الإقليمية، وتحويل الاستقرار إلى مصلحة استراتيجية للقوى الدولية المؤثرة.
فالشرق الأوسط لم يعد يحتمل الحروب الطويلة، كما أن القوى الكبرى نفسها لا تملك ضمانات السيطرة على نتائج أي مواجهة واسعة إذا اندلعت. لذلك قد تصبح القدرة على منع الصدام، لا خوضه، هي المعيار الحقيقي للقوة والنفوذ في المرحلة المقبلة.
واليوم تقف المنطقة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تتحول إلى مركز لإدارة المصالح الدولية عبر الاستقرار والتنمية والتوازن، أو أن تعود إلى دوامة الصراعات المفتوحة وإعادة رسم الخرائط بالقوة.
وفي عالم يعاد تشكيله وسط اضطرابات متسارعة، قد لا تكمن القوة الحقيقية في إشعال المعارك، بل في القدرة على منع انفجارها قبل أن تمتد آثارها إلى الجميع.







