حسن النجار يكتب: مشاركة تاريخية للفراعنة صنعت الفخر ورسخت مكانة مصر عالميًا
الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار عضو المكتب الفني للشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم
حسن النجار – يكتب
لم تكن المشاهد الإنسانية المؤثرة التي رسمها لاعبو المنتخب المصري خلال منافسات كأس العالم 2026، والتي تابعتها الجماهير عبر شاشات التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي، هي المكسب الوحيد الذي خرجت به مصر من هذه المشاركة التاريخية، بل جاءت البطولة لتفتح صفحة جديدة في تاريخ الكرة المصرية، وتؤكد أن الإنجازات الكبرى لا تُقاس فقط بنتائج المباريات، وإنما بما تتركه من أثر في وجدان الشعوب.
لقد مثلت مشاركة المنتخب الوطني في مونديال 2026 محطة فارقة أعادت الأمل إلى الشارع المصري، وأحيت روح الالتفاف الوطني حول هدف واحد، فتوحدت مشاعر المصريين في الداخل والخارج خلف منتخبهم، ليصبح هذا الظهور واحدًا من أبرز المحطات الرياضية التي صنعت حالة استثنائية من الفخر والانتماء.

ونجح “الفراعنة” في تقديم صورة مشرّفة لكرة القدم المصرية، بعدما أثبتوا أن المنافسة مع كبار منتخبات العالم ليست حلمًا بعيد المنال، بل واقعًا يمكن تحقيقه عندما تتوافر عناصر النجاح من تخطيط وإعداد جيد، وإصرار داخل الملعب، ودعم جماهيري لا يتوقف.
وعكست الأرقام حجم التطور الكبير الذي شهده المنتخب خلال البطولة، بعدما سجل لاعبوه ثمانية أهداف في خمس مباريات، وهو أفضل سجل تهديفي في تاريخ مشاركات مصر بكأس العالم، ليؤكد الفريق أنه أصبح أكثر نضجًا وقدرة على مجاراة أقوى المدارس الكروية العالمية.
ولم تتوقف المكاسب عند حدود النتائج، بل امتدت إلى التصنيفات الدولية، حيث تقدم المنتخب المصري إلى المركز الرابع والعشرين عالميًا، بينما صنفت منصة التحليل العالمية FotMob منتخب مصر ضمن أفضل عشرة منتخبات في البطولة من حيث مستوى الأداء، متفوقًا على منتخبات صاحبة تاريخ كبير مثل البرازيل والبرتغال، في شهادة تعكس حجم التطور الفني الذي وصل إليه المنتخب.
أما على مستوى النجوم، فقد واصل القائد محمد صلاح كتابة اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ الكرة المصرية، بعدما عزز صدارته لهدافي الفراعنة في بطولات كأس العالم، فيما كشفت البطولة عن جيل جديد من اللاعبين الواعدين، يتقدمهم الحارس مصطفى شوبير،
الذي قدم بطولة استثنائية ولفت الأنظار بتصديه لركلتي جزاء في نسخة واحدة من المونديال، إلى جانب الموهبة الشابة حمزة عبد الكريم، الذي أصبح أصغر لاعب عربي يشارك في كأس العالم 2026، في رسالة واضحة بأن مستقبل الكرة المصرية يحمل الكثير من الأمل.
وعلى الصعيد الدولي، حظي المنتخب المصري بإشادات واسعة، بعدما أثنى الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، برئاسة جياني إنفانتينو، على الأداء الذي قدمه الفراعنة، معتبرًا رحلتهم في البطولة واحدة من القصص الملهمة التي تركت أثرًا واضحًا في تاريخ كأس العالم، وهو تقدير دولي يعكس الاحترام الذي فرضه المنتخب بأدائه وروحه القتالية رغم ما واجهه من صعوبات.
وفي المدرجات، كتب المصريون المقيمون في الولايات المتحدة وكندا واحدة من أروع صور الانتماء الوطني، بعدما حولوا ملاعب البطولة إلى مشاهد مصرية خالصة، من خلال الحضور الجماهيري الكثيف، ورفع الأعلام المصرية، وترديد الهتافات الوطنية التي منحت اللاعبين دفعة معنوية كبيرة، وجعلتهم يشعرون وكأنهم يخوضون مبارياتهم وسط جماهير استاد القاهرة.
كما برز الدور الوطني للجاليات المصرية التي حرصت على استقبال بعثة المنتخب في الفنادق وملاعب التدريب، وقدمت الدعم الكامل للاعبين والجهاز الفني بقيادة الكابتن حسام حسن، في مشهد عكس عمق ارتباط المصريين في الخارج بوطنهم، وحظي بإشادة رسمية لما حمله من رسائل وطنية وإنسانية.
أما داخل مصر، فقد عاشت الجماهير أيامًا استثنائية من السعادة والفخر، بعد الأداء البطولي الذي قدمه المنتخب، خاصة خلال مشواره نحو الأدوار الإقصائية، ثم مواجهته القوية أمام المنتخب الأرجنتيني، والتي أكد خلالها اللاعبون قدرتهم على مقارعة حامل اللقب حتى اللحظات الأخيرة، ليغادروا البطولة مرفوعي الرأس بعدما كسبوا احترام الجميع.
وشهدت عودة بعثة المنتخب إلى أرض الوطن استقبالًا شعبيًا كبيرًا، حيث احتشدت الجماهير في المطار، ثم شاركت الآلاف في احتفالات وطنية عبّرت عن تقديرها لما حققه اللاعبون، ورغم ذلك، رأى قطاع من الجماهير أن هذا الإنجاز التاريخي كان يستحق احتفالات جماهيرية أوسع، تتناسب مع قيمة ما تحقق في البطولة.
وتوجت الدولة المصرية هذا الإنجاز بتكريم رسمي في مدينة العلمين الجديدة، حيث استقبل السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بعثة المنتخب الوطني، ومنح اللاعبين والجهازين الفني والإداري أوسمة وميداليات وكؤوسًا تقديرية، تكريمًا لما قدموه من أداء مشرف رفع اسم مصر عاليًا أمام العالم.
وأكد الرئيس، خلال لقائه بأبطال المنتخب، أن ما تحقق يمثل نموذجًا مشرفًا لشباب مصر، ويعكس قدرة المصريين على تحقيق الإنجازات عندما تتوافر الإرادة والعمل، مشددًا على استمرار الدولة في دعم المواهب الرياضية، وتطوير منظومة اكتشاف اللاعبين لإعداد أجيال جديدة قادرة على مواصلة مسيرة النجاح.
وفي النهاية، تبقى مشاركة مصر في كأس العالم 2026 أكبر من مجرد نتائج أو أرقام، فقد أعادت الثقة في الكرة المصرية، ورسخت قيم العمل الجماعي والانتماء، ووحدت المصريين داخل الوطن وخارجه خلف حلم واحد، لتصبح هذه النسخة من المونديال علامة مضيئة في تاريخ الرياضة المصرية،
ونقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر طموحًا، يؤكد أن التجارب الملهمة لا تنتهي، وأن الشعب المصري يمتلك دائمًا القدرة على صناعة الإنجازات عندما تتوافر الإرادة والإيمان بالنجاح.







