بقلم حسن النجار: مصر تعيد صياغة القوة في الشرق الأوسط
المفكر السياسي حسن النجار في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم
بقلم | حسن النجار
في لحظات التحول الكبرى في التاريخ، لا تُقاس قوة الدول بحجم جيوشها أو ثقل اقتصادها فقط، بل بقدرتها على استيعاب حركة الزمن السياسي، وإدارة التوازنات الدولية المعقدة دون الوقوع في فخ الاستنزاف أو التبعية. ومن هذا المنظور يمكن قراءة التحول النوعي الذي شهدته مصر خلال العقد الأخير،
حيث لم تعد القاهرة مجرد دولة إقليمية تنشغل بحماية حدودها، بل باتت تتحرك تدريجيًا كمركز توازن استراتيجي في منطقة يعاد تشكيل خرائط نفوذها بصورة متسارعة.
منطقة الشرق الأوسط منذ عام 2011 دخلت مرحلة سيولة جيوسياسية عميقة، انهارت خلالها أنظمة، وتفككت جيوش وطنية، وبرزت فواعل ما دون الدولة، وتوسعت الحروب بالوكالة،
بينما أعادت القوى الدولية الكبرى توزيع أدوات نفوذها وفق منطق جديد يعتمد على التحكم في الممرات البحرية وسلاسل الإمداد والطاقة، أكثر من السيطرة العسكرية المباشرة.
في قلب هذا المشهد المضطرب، أدركت مصر مبكرًا أن التهديد الأخطر لا يقتصر على الإرهاب أو المواجهة العسكرية التقليدية، بل يمتد إلى احتمالات انهيار التوازن الإقليمي ذاته.
لذلك تبنت القاهرة منذ عام 2014 مسارًا استراتيجيًا متعدد الأبعاد، يقوم على إعادة بناء الداخل اقتصاديًا وأمنيًا، بالتوازي مع هندسة شبكة علاقات إقليمية ودولية معقدة، تمنع العزلة وتُبقي هامش المناورة مفتوحًا أمام الدولة المصرية.
هذا النهج يعكس اختلافًا واضحًا عن أنماط القوة التقليدية في المنطقة، فمصر لا تتحرك بوصفها دولة تابعة لمحور دولي، ولا كدولة أيديولوجية، بل كدولة تدرك أن استمرارية النفوذ في القرن الحادي والعشرين ترتبط بقدرة الدولة على إدارة التوازنات لا كسرها.
ومع تعاقب أزمات كبرى مثل جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، واضطرابات البحر الأحمر، واجهت مصر بيئة اقتصادية شديدة التعقيد، في ظل اعتمادها على الاستيراد الغذائي والطاقة،
وارتفاع عدد سكانها لأكثر من 107 ملايين نسمة، وتموضعها في منطقة شديدة الاضطراب. ورغم ذلك لم تنهار الدولة، بل تحركت وفق استراتيجية تنويع مصادر التمويل والاستثمار والشراكات الاقتصادية.
وتبرز قناة السويس باعتبارها عنصرًا محوريًا في هذه المعادلة، ليس كمجرى ملاحي فحسب، بل كعقدة جيوسياسية في النظام التجاري العالمي، تمر عبرها حركة تجارة وطاقة ضخمة. ومع تصاعد التوترات في البحر الأحمر منذ أواخر 2023، تأثرت حركة الملاحة العالمية بشكل مباشر، وارتفعت تكاليف الشحن وزمن الرحلات بشكل غير مسبوق، ما كشف أهمية الموقع المصري في قلب حركة التجارة الدولية.
ومن هنا، تتعامل القاهرة مع أمن البحر الأحمر والخليج باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، في ظل ترابط المصالح الاقتصادية والأمنية، ودور الخليج في منظومة الاستثمار والطاقة والتحويلات المالية الداعمة لاستقرار الإقليم.
وفي موازاة ذلك، طورت مصر قدراتها العسكرية لتصبح ضمن القوى العسكرية البارزة في الشرق الأوسط وإفريقيا، مع الحفاظ على عقيدة ردع استراتيجية واضحة، تقوم على منع انهيار الإقليم دون الانزلاق إلى سياسات توسعية أو مغامرات عسكرية.
كما تبنت القاهرة نمطًا من الدبلوماسية الهادئة عالية التأثير، يقوم على فتح قنوات اتصال مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، بما فيها الولايات المتحدة وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي ودول الخليج وأفريقيا، دون الارتهان الكامل لأي محور.
هذا النهج منح مصر مساحة حركة مهمة في ملفات إقليمية شديدة التعقيد، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، حيث لعبت القاهرة دورًا مركزيًا في جهود الوساطة منذ اندلاع حرب غزة، وأصبحت طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تتعلق بالتهدئة أو مستقبل القطاع.
وتدرك الدولة المصرية أن أخطر ما يهدد الإقليم اليوم هو تفكك الدولة الوطنية لصالح كيانات هشة أو مليشياوية، لذلك تتمسك بمفهوم الدولة المركزية ومؤسساتها، باعتباره الضمانة الأساسية لمنع الانزلاق نحو الفوضى الشاملة.
في المحصلة، لا يقتصر الدور المصري على إدارة سياسة خارجية تقليدية، بل يمتد إلى إعادة تعريف مفهوم القوة في الشرق الأوسط، بحيث تصبح القدرة على منع الانهيار،
وإدارة التوازنات، وتأمين الممرات الدولية، هي الشكل الجديد للنفوذ. وهكذا تتحرك القاهرة في بيئة دولية متغيرة، عبر سياسة “التموضع الذكي”، التي تمزج بين الصلابة والمرونة، وتمنحها قدرة على البقاء الفاعل في عالم يتجه نحو تعددية قطبية متسارعة.
حفظ الله مصر وحفظ الله الوطن وحفظ الله الجيش المصري ورحم الله شهدائنا الابرار من الجيش والشرطة المصرية







