بقلم | مي الكاشف : حين تتحول المرأة إلى جيش بمفردها… لماذا تخسر بعض العلاقات توازنها؟
الكاتبة الصحفية مي الكاشف نائب رئيس تحرير الوطن اليوم والمختصة في الشؤون السياسية
الوطن اليوم – مقال راي – 1 يونيو 2026
بقلم | مي الكاشف
في عالم تتسارع فيه التحديات وتزداد فيه الضغوط الحياتية، تظهر نماذج لنساء فرضت عليهن الظروف أن يكنَّ أقوى مما ينبغي، وأن يحملن مسؤوليات تفوق أعمارهن وتجاربهن. نساء تعلمن منذ وقت مبكر أن الاعتماد على النفس ليس خيارًا، بل ضرورة، وأن مواجهة الأزمات وإدارة التفاصيل اليومية أصبحت جزءًا من شخصياتهن.
هذه المرأة لا تدخل أي علاقة عاطفية وهي تبحث عن منقذ أو داعم وحيد، بل تدخلها وهي تمتلك من الخبرة والقوة ما يجعلها قادرة على إدارة حياتها بنفسها. اعتادت أن تكون السند لمن حولها، وأن تتحمل الأعباء دون شكوى، حتى أصبحت في كثير من الأحيان تقوم بأدوار متعددة في الوقت ذاته.
لكن المفارقة تبدأ عندما تنتقل هذه القوة إلى داخل العلاقة العاطفية. فبدلًا من أن تجد شريكًا يشاركها الطريق، تجد نفسها تلقائيًا تتولى زمام الأمور، فتخطط وتدير وتحتوي وتتحمل أكثر مما يجب. ليس رغبة في السيطرة، وإنما نتيجة طبيعية لسنوات طويلة من الاعتماد الكامل على الذات.
وهنا يظهر أحد أبرز أسباب اختلال التوازن في بعض العلاقات. فهناك من يفسر قوة المرأة على أنها عدم احتياج للآخرين، أو يظن أن وجوده لم يعد ضروريًا في حياتها. والأسوأ من ذلك أن بعض الأشخاص يرون في هذه القدرة فرصة للاعتماد الزائد عليها، سواء نفسيًا أو معنويًا أو حتى ماديًا، لأنها تبدو دائمًا قادرة على العطاء وتحمل المزيد.
والحقيقة أن هذه المرأة ليست ساذجة أو غافلة عما يدور حولها، لكنها غالبًا ما تمنح من منطلق الحب والصدق والإخلاص. تتحمل الكثير لأنها تؤمن بالعلاقة وتسعى إلى نجاحها، لا لأنها عاجزة عن رؤية الخلل. إلا أنها قد تكتشف في مرحلة ما أنها لم تكن تعيش علاقة متوازنة، بل كانت تقوم بدورين في آن واحد؛ دور الشريكة ودور المنقذة.
ومن هنا تكمن الإشكالية الحقيقية. فالمشكلة ليست في الحب ذاته، وإنما في طبيعة الاختيارات والعلاقات التي تسمح باستمرار هذا الخلل. فالإنسان الذي اعتاد حمل العالم فوق كتفيه قد ينجذب دون وعي إلى من يحتاجه باستمرار، بينما يكون احتياجه الحقيقي لشخص قادر على المشاركة وتحمل المسؤولية وتقاسم الأعباء.
القوة صفة عظيمة بلا شك، لكنها لا تعني أن يتحمل الإنسان كل شيء بمفرده. كما أن النجاح في الحياة لا يعني تحمل مسؤولية إنقاذ الجميع. فالعلاقات الصحية تقوم على الشراكة والتوازن والدعم المتبادل، لا على طرف يعطي باستمرار وطرف يكتفي بالأخذ.
وفي النهاية، تبقى أجمل العلاقات هي تلك التي تمنح المرأة مساحة لأن تكون محبوبة ومدعومة، لا أن تظل طوال الوقت في موقع المسؤولية والحماية. فحتى أقوى النساء يحتجن إلى من يشاركهن الطريق، لا إلى من يضيف فوق أكتافهن عبئًا جديدًا.








