واشنطن تدرس التدخل العسكري بمالي بعد تعثر النفوذ الروسي وتصاعد تهديد الجماعات المسلحة
كتبت | هند مختار العربي
مع تصاعد التدهور الأمني في مالي، تدرس الولايات المتحدة العودة إلى المشهد العسكري في منطقة الساحل، بعد مؤشرات على تراجع فعالية الوجود الروسي في مواجهة الجماعات المسلحة، في خطوة قد تعيد رسم موازين القوى داخل واحدة من أكثر بؤر الصراع تعقيدًا في أفريقيا.
وكشفت تقارير أميركية، أبرزها ما نشرته صحيفة واشنطن بوست، أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تناقش خيارات عسكرية تستهدف تنظيم “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبط بتنظيم القاعدة، دون أن يكون قد صدر حتى الآن قرار نهائي بشأن تنفيذ أي عمليات عسكرية أو تحديد نطاقها.
وبحسب مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين، فإن النقاشات داخل الإدارة لا تزال مستمرة، وسط تباين في وجهات النظر حول جدوى التدخل العسكري المباشر، إلا أن طرح هذا الخيار يعكس تغيرًا واضحًا في السياسة الأميركية تجاه مالي، بعد سنوات من تقليص الوجود الأمني وترك الساحة أمام النفوذ الروسي.
ويقود هذا التوجه سيباستيان غوركا، المسؤول عن ملف مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي الأميركي، حيث يرى أن تصاعد نشاط التنظيمات المتشددة يستدعي تحركًا أكثر فاعلية لحماية المصالح الأميركية وشركائها في غرب أفريقيا.
واشنطن تنتقد الأداء الروسي
وتحمل الإدارة الأميركية موسكو جزءًا كبيرًا من مسؤولية تدهور الأوضاع الأمنية، إذ وصف مسؤول في البيت الأبيض روسيا بأنها “شريك أمني غير فعال” بالنسبة لمالي، داعيًا دول المنطقة وحلفاء حلف شمال الأطلسي إلى تعزيز التعاون الأمني مع باماكو والنيجر وبوركينا فاسو لمواجهة تنظيمي القاعدة و”داعش”.
كما تسعى واشنطن إلى توسيع تعاونها الاستخباراتي مع الحكومة المالية، بعدما بدأت بالفعل في تبادل المعلومات الأمنية، مع بحث الحصول على تسهيلات للطيران والاستطلاع داخل الأجواء المالية، وهو ما قد يمهد لمرحلة جديدة من الانخراط الأميركي إذا تم إقرار الخيار العسكري.
خسائر متتالية للقوات الروسية
وتواجه القوات الروسية، التي حلت محل الوجود الفرنسي في مالي، تحديات متزايدة منذ معركة تين زواتين في يوليو 2024، والتي تعرض خلالها الجيش المالي وعناصر “فاغنر” لخسائر كبيرة أمام مقاتلي أزواد وعناصر “نصرة الإسلام والمسلمين”.
وفي أعقاب تلك التطورات، تولى فيلق أفريقيا التابع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية مسؤولية العمليات العسكرية، مع زيادة عدد عناصره إلى ما بين ألفي و2500 مقاتل، إلا أن ذلك لم ينجح في وقف الهجمات المتكررة أو استعادة السيطرة على المناطق الحيوية.
وخلال الأشهر الأخيرة، شنت الجماعات المسلحة سلسلة عمليات واسعة استهدفت مواقع عسكرية وقواعد استراتيجية في شمال ووسط مالي، وصولًا إلى محيط العاصمة باماكو، ما كشف عن استمرار هشاشة الوضع الأمني رغم الدعم الروسي.
كما تعرضت أرتال عسكرية مالية وروسية لكمائن متكررة أثناء تحركها نحو مناطق القتال، وأسفرت المواجهات عن سقوط قتلى وجرحى وأسر عدد من الجنود، في وقت أكد فيه الجيش المالي تنفيذ غارات جوية ردًا على تلك الهجمات.
تحديات معقدة أمام أي تدخل أميركي
ويرى مراقبون أن أي تدخل أميركي لن يقتصر على مواجهة تنظيم “نصرة الإسلام والمسلمين”، إذ تواجه الحكومة المالية عدة جبهات في وقت واحد، تشمل تمرد أزواد في الشمال، وتمدد تنظيم “داعش في الساحل” شرق البلاد، إضافة إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية وصعوبة تأمين الطرق وخطوط الإمداد.
ويحذر خبراء من أن توجيه ضربات أميركية قد يحقق مكاسب عسكرية محدودة، لكنه لن يعالج جذور الأزمة المرتبطة بالصراعات السياسية والعرقية والاجتماعية، كما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة نفوذ الجماعات المسلحة بدلًا من إنهائها.
مالي بين تنافس القوى الدولية
ويرى محللون أن المشهد الحالي يعكس انتقال المنافسة الدولية في منطقة الساحل من النفوذ الفرنسي إلى الروسي، مع احتمال عودة الولايات المتحدة بقوة إلى الساحة، في ظل تراجع نتائج العمليات الروسية واتساع رقعة نفوذ التنظيمات المسلحة.
وتبقى مالي أمام مرحلة شديدة التعقيد، حيث تتداخل الصراعات المحلية مع التنافس الدولي والإقليمي، ما يجعل أي تدخل عسكري جديد خطوة محفوفة بالمخاطر، ويؤكد أن تحقيق الاستقرار الدائم يتطلب حلولًا سياسية وأمنية تتجاوز الاعتماد على القوة العسكرية وحدها.







