تقارير عالمية

روسيا لوحت باستهداف مواقع أوروبية وسط تحذيرات من تصعيد مع الناتو

كتب | محمود سعد 

تتصاعد التحذيرات من احتمال انتقال الحرب الروسية الأوكرانية إلى مرحلة أكثر حساسية، بعد تلويح موسكو بإمكانية استهداف مواقع أوروبية خارج الأراضي الأوكرانية. تزامن ذلك مع زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف إلى موسكو، التي فُسرت على أنها رسالة تحذير بشأن اختبار حلف الناتو.

وفي هذا السياق، قدم أستاذ العلوم السياسية نزار بوش والباحث السياسي مصطفى طوسة قراءتين للتطورات خلال حديثهما إلى برنامج «رادار» على سكاي نيوز عربية، بين التهديد العسكري والرسائل الدبلوماسية، مع التركيز على طبيعة الرد الروسي واحتمال العودة إلى المفاوضات.

يرى بوش أن بريطانيا، إلى جانب فرنسا وألمانيا، تجاوزت خطوطاً حمراء وضعتها موسكو منذ بداية الحرب. لم يعد الدعم الغربي مقتصراً على المال والسلاح، بل أصبح، وفق تقديره، مشاركة مباشرة في العمليات ضد روسيا ضمن حدود معينة. وأشار إلى أن هذا الدعم مكّن كييف من استخدام المسيرات والصواريخ متوسطة المدى لضرب العمق الروسي، معتبراً أن بريطانيا تجاوزت مواقفها السابقة بوضوح أكبر.

ولفت بوش إلى أن التحذير الروسي الأخير صدر عن وزارة الخارجية وليس عن جهة عسكرية، ما يشير إلى أن موسكو ما زالت تمنح الأولوية للحل الدبلوماسي قبل اللجوء إلى الخيار العسكري. غير أن الجديد يكمن في التلويح بإمكانية استهداف مواقع بريطانية خارج أوكرانيا.

واستبعد توجيه ضربة مباشرة إلى الأراضي البريطانية في الوقت الحالي، مرجحاً أن تطال الأهداف قواعد عسكرية أو مواقع في البحار والمحيطات أو قرب بحر البلطيق وبولندا، إذا شاركت في عمليات ضد العمق الروسي.

وأضاف أن التفاؤل بوقف القتال بعد لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا تبدد مع صمت ترامب، مرجحاً أن يكون ذلك نتيجة ضغوط داخلية أميركية. ووصف واشنطن بأنها الرابح الأكبر من استمرار الحرب، بسبب مبيعات الأسلحة الأوروبية لأوكرانيا. كما اعتبر بريطانيا «رأس الحربة» في الضغط على كييف لمنع تقديم تنازلات قد تنهي النزاع.

وحذر بوش من أن استمرار تجاوز الخطوط الحمراء قد يدفع موسكو إلى رد مباشر، مشيراً إلى احتمال تزويد أوكرانيا بصواريخ بعيدة المدى يصل مداها إلى ألف كيلومتر، ما يتيح ضرب مواقع في موسكو. وفي حال وقوع مثل هذا الهجوم، قد يأتي الرد الروسي سريعاً، ما يعني تخطي كل الخطوط الحمراء من الجانبين. وربط ذلك بشعور روسي بأن الحرب مرتبطة بالدفاع عن وجود الدولة نفسها.

من جانبه، أوضح طوسة أن تهديد روسيا باستهداف عناصر أجانب داخل أوكرانيا ليس جديداً، لكن التلويح بضرب أهداف في دول أوروبية يمثل تحولاً قد يفتح مرحلة جديدة، خاصة إذا شمل دولة عضواً في الناتو. وأشار إلى أن استهداف إحدى دول الحلف قد يؤدي إلى تفعيل المادة الخامسة،

التي تلزم الأعضاء بالدفاع المشترك. غير أنه استبعد أن يسعى بوتين إلى استفزاز الناتو ودفعه إلى حرب مباشرة، متسائلاً عن قدرة موسكو على مواجهة الحلف بعد سنوات من عدم قدرتها على إخضاع أوكرانيا.

وأكد طوسة أن اللجوء إلى السلاح النووي يظل خياراً محرماً دولياً ومرفوضاً من الصين والدول الداعمة لروسيا اقتصادياً. وفي المقابل، تواجه الدول الأوروبية بالفعل حرباً هجينة روسية تشمل الهجمات السيبرانية والتدخل في الانتخابات والتأثير النفسي في المجتمعات. واستشهد بالمشهد الانتخابي الفرنسي، معتبراً أن تقدم شخصيات مثل مارين لوبان أو جان لوك ميلانشون قد يصب في مصلحة موسكو، دون أن يعني ذلك مواجهة عسكرية مباشرة.

وبشأن زيارة راتكليف، قال طوسة إن الرسالة الأميركية تؤكد رغبة واشنطن في تجنب الحرب مع روسيا، وأن ترامب لا يسعى إلى مواجهة مع بوتين. لكنها تضمنت تحذيراً من استهداف دولة أوروبية عضواً في الناتو، لأن ذلك قد يفرض تدخلاً أميركياً بموجب التضامن الأطلسي. ويقرأ طوسة التصعيد الروسي على أنه محاولة لدفع واشنطن والاتحاد الأوروبي إلى التعامل بجدية أكبر مع الحل الدبلوماسي والضغط على أوكرانيا لتقديم التنازلات التي تطلبها موسكو.

وبين التحذير والردع، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان التصعيد سيقود إلى مفاوضات أم سيختبر حدود المواجهة المباشرة بين روسيا والناتو.

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى