بقلم حسن النجار: من الدبلوماسية إلى التنمية.. ماذا حققت جولة السيسي الآسيوية؟
الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار عضو المكتب الفني للشؤون الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم
بقلم: حسن النجار
تحدثنا خلال سلسلة من المقالات عن أهمية الجولة الآسيوية التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي، واتفقنا على أنها جاءت في توقيت بالغ الأهمية، في ظل ما يشهده العالم من تحولات سياسية واقتصادية متسارعة، وتزايد الصراعات الإقليمية والدولية،
وإعادة تشكيل خريطة التحالفات وموازين القوى. وتؤكد هذه الجولة حرص الدولة المصرية على الانفتاح على مختلف القوى الدولية، وتنويع شراكاتها الاستراتيجية، بما يدعم الاقتصاد الوطني ويحافظ على استقلالية القرار المصري.
لكن ما أود التوقف أمامه في مقال اليوم، هو حديث الرئيس السيسي عقب عودته من جولته الآسيوية، وما حمله من رسائل مهمة إلى الداخل والخارج؛ فقد عكس حرص القيادة السياسية على إطلاع المواطنين على نتائج التحركات الخارجية،
وتوضيح ما يمكن أن تحققه الاتفاقيات والتفاهمات من فرص جديدة للاستثمار والإنتاج والتعاون التكنولوجي، إلى جانب تعزيز المواقف المصرية تجاه القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والأمن المائي المصري.

كوريا الجنوبية.. شراكة تتجاوز حدود الاقتصاد
كانت المحطة الكورية الجنوبية واحدة من أبرز محطات الجولة، لما حملته من دلالات سياسية واقتصادية وإنسانية. فقد عكست أجواء الاستقبال والمباحثات رغبة مشتركة في الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى آفاق أوسع، خاصة في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاستثمار.
وجاءت تصريحات الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونج بشأن التعاون مع مصر، وما تضمنته من تعبيرات تعكس الثقة المتبادلة والرغبة في بناء مستقبل مشترك، لتؤكد أن العلاقات بين البلدين تمتلك مقومات حقيقية للتطور.
كما سلطت التغطيات الإعلامية الضوء على أهمية الزيارة في دفع العلاقات الاقتصادية، وتعزيز مكانة مصر بوصفها مركزًا مهمًا للنفاذ إلى الأسواق الإفريقية والعربية.
وتبرز أهمية هذه المحطة في التحركات المتعلقة بإطلاق مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، المعروفة اختصارًا باسم «CEPA»، باعتبارها خطوة يمكن أن تفتح المجال أمام زيادة الاستثمارات وتوسيع التعاون في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والابتكار، إلى جانب مجالات أخرى ذات اهتمام مشترك.
ومن وجهة نظري، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في حجم الاتفاقيات المعلنة وحده، بل في قدرة مصر على تحويلها إلى مصانع جديدة، وفرص عمل مستدامة، ونقل للتكنولوجيا، وزيادة في الصادرات، بما ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين.
ماليزيا.. تنويع الشراكات وتعزيز الحضور الدولي
أما المحطة الماليزية، فقد عكست اهتمامًا متبادلًا بتطوير العلاقات المصرية الماليزية، لا سيما أنها جاءت في إطار تحرك مصري يستهدف توسيع مجالات التعاون مع دول آسيا، والاستفادة من الفرص الاقتصادية والاستثمارية المتاحة.
وقد حمل الاستقبال الرسمي والاهتمام الذي أبداه الجانب الماليزي بالزيارة دلالات إيجابية بشأن الرغبة في تعزيز العلاقات، فيما مثلت المباحثات فرصة لبحث التعاون في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن وغيرها من القطاعات ذات الأولوية المشتركة.
ويكتسب التوجه نحو الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية أهمية خاصة، لأنه يفتح المجال أمام وضع أطر أكثر انتظامًا للتعاون، وتوسيع التبادل التجاري، وتشجيع الاستثمارات المشتركة، وتبادل الخبرات في المجالات الصناعية والتكنولوجية.
كما تبرز أهمية التنسيق بين القاهرة وكوالالمبور في إطار تجمع بريكس، الذي أصبحت مصر عضوًا فيه، وماليزيا دولة شريكة، بما يتيح فرصًا لتعزيز الحوار والتعاون الاقتصادي، دون إغفال أهمية التنسيق السياسي بشأن القضايا الإقليمية والدولية.
وفي الملف الفلسطيني، تستطيع مصر وماليزيا البناء على مواقفهما الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني، وتعزيز التعاون الإنساني، والاستفادة من القدرات اللوجستية المصرية في دعم جهود إيصال المساعدات إلى قطاع غزة، وفقًا للظروف والإجراءات المنظمة لذلك.
إن الرسالة الأهم من هذه المحطة هي أن السياسة الخارجية المصرية لا تقوم على شراكة واحدة أو محور بعينه، وإنما على بناء علاقات متوازنة ومتنوعة تحقق المصالح الوطنية، وتمنح الاقتصاد المصري مساحات أوسع للحركة والتعاون.
إندونيسيا.. العلاقات التاريخية تتحول إلى فرص عملية
وفي إندونيسيا، حضرت العلاقات التاريخية بين البلدين بقوة، وهي علاقات تمتد إلى عام 1947، بما يعكس عمق الروابط السياسية التي جمعت القاهرة وجاكرتا على مدار عقود.
غير أن أهمية الزيارة لا تتوقف عند رمزية التاريخ أو مظاهر الاستقبال الرسمي والشعبي، وإنما تمتد إلى ما أسفرت عنه المباحثات من تفاهمات وخطوات تستهدف تعزيز الشراكة الثنائية، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري.
وقد برزت مجالات الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي والصناعات الثقيلة ضمن القطاعات التي يمكن أن تشهد تعاونًا أكبر، بما يخدم احتياجات البلدين ويدعم تنويع مصادر الإنتاج والتجارة. وتمثل هذه المجالات أهمية خاصة لمصر، في ظل الحاجة إلى جذب استثمارات منتجة، وتوطين الصناعة، وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية.

وعلى الصعيد السياسي، يظل الأمن المائي المصري قضية محورية في تحركات القاهرة الخارجية، وتسعى مصر إلى حشد التفاهم والدعم الدوليين لموقفها القائم على حماية حقوقها المائية، وفقًا لقواعد القانون الدولي ومبادئ التعاون بين دول حوض النيل. كما تتواصل الجهود المصرية بشأن القضية الفلسطينية وتخفيف المعاناة الإنسانية في قطاع غزة.
ومن هنا، فإن تطوير العلاقات مع إندونيسيا لا يمثل مجرد امتداد للصداقة التاريخية، بل فرصة لبناء تعاون عملي طويل الأمد، يربط بين المصالح الاقتصادية المشتركة والتنسيق السياسي تجاه القضايا ذات الاهتمام المشترك.
الجولة الآسيوية.. من الحضور الدبلوماسي إلى العائد الاقتصادي
في تقديري، حققت الجولة الآسيوية هدفًا استراتيجيًا مهمًا يتمثل في الجمع بين الحضور السياسي والدبلوماسي لمصر، والسعي إلى تحقيق مكاسب اقتصادية ملموسة. فالاستقبالات الرسمية الرفيعة تعكس مكانة الدولة المصرية وعلاقاتها الدولية، لكن القيمة الأكبر لأي زيارة خارجية تظل مرتبطة بقدرتها على إنتاج نتائج قابلة للتنفيذ والقياس.
إن مصر تحتاج اليوم إلى شراكات تفتح أبواب الاستثمار والإنتاج والتصدير، وتدعم نقل التكنولوجيا، وتوفر فرص العمل، وتسهم في بناء قاعدة صناعية أكثر قوة وتنوعًا. كما تحتاج إلى علاقات دولية تساعدها على الدفاع عن مصالحها الوطنية، وتعزيز مواقفها تجاه التحديات الإقليمية، والحفاظ على استقلالية قرارها السياسي.
ومن الضروري أن تتبع الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة خلال الجولة آليات واضحة للتنفيذ، وجداول زمنية محددة، ومتابعة مستمرة لما تحقق على أرض الواقع، حتى لا تظل النتائج حبيسة البيانات الرسمية أو التصريحات الدبلوماسية.
وأرى أن الرسالة الأساسية التي ينبغي أن تصل إلى المواطن المصري هي أن التحرك الخارجي الناجح يجب أن ينعكس على الداخل، من خلال اقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج، واستثمارات أكثر جذبًا، وفرص عمل أفضل، ومكانة دولية تعزز قدرة الدولة على حماية مصالحها.
الخلاصة
لقد أكدت الجولة الآسيوية أن مصر تتحرك في عالم سريع التغير، وتسعى إلى توسيع شبكة شراكاتها الدولية دون التفريط في ثوابتها الوطنية. ومن كوريا الجنوبية إلى ماليزيا وإندونيسيا، تتعدد الفرص وتتباين مجالات التعاون، لكن الهدف النهائي يظل واحدًا: دعم الاقتصاد الوطني، وتعزيز الحضور السياسي المصري، وفتح آفاق جديدة للتنمية.
ويبقى الرهان الحقيقي على تحويل ما تحقق دبلوماسيًا إلى نتائج اقتصادية وسياسية ملموسة، يشعر بها المواطن في حياته اليومية، وتدعم قدرة مصر على مواجهة التحديات وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا وقوة.
حفظ الله مصر حفظ الله الوطن حفظ الله الجيش ورحم الله شهدائنا الابرار من الجيش والشرطة المدنية








