بقلم حسن النجار.. «مسافة السكة» بين القاهرة والرياض عهدٌ يتجدد وقت الشدائد
الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار ورئيس تحرير الوطن اليوم وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية الدولية

بقلم: حسن النجار
لم تكن عبارة «مسافة السكة» التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حملته الانتخابية في مايو 2014، ردًا على سؤال بشأن موقف مصر وجيشها إذا تعرض أمن الأشقاء في الخليج لخطر مباشر،
مجرد تعبير عابر أو شعار للاستهلاك السياسي، بل حملت في جوهرها رسالة واضحة عن طبيعة العلاقات المصرية العربية، ومكانة الأمن القومي العربي في حسابات الدولة المصرية.
ومنذ ذلك الحين، حاول البعض إخراج العبارة من سياقها، والتعامل معها باعتبارها وعدًا يُقاس بردود الفعل الفورية تجاه كل حادث أو أزمة، متجاهلين أن العلاقات بين الدول لا تُختبر بالشعارات،
وإنما بالمواقف المحسوبة، والقدرة على التحرك، وفهم طبيعة التهديدات وتداعياتها. فليست كل المسافات كيلومترات تُقطع، بل هناك مسافات تختصرها الثقة، وتؤكدها المصالح المشتركة، وتحميها روابط التاريخ والمصير الواحد.
واليوم، مع تصاعد التحديات التي تواجه المنطقة العربية، تكتسب عبارة «مسافة السكة» أبعادًا سياسية واستراتيجية أعمق، خصوصًا في ظل ما تتعرض له المملكة العربية السعودية من تهديدات تمس أمنها واستقرارها.

فالعلاقة بين القاهرة والرياض ليست علاقة جوار جغرافي فحسب، ولا مجرد تنسيق دبلوماسي تحكمه الظروف، بل شراكة عربية ترتبط باستقرار الإقليم، وأمن الملاحة، ومصالح الشعوب، ومستقبل التنمية في المنطقة.
إن قوة العلاقات المصرية السعودية تنبع من إدراك متبادل بأن استقرار كل دولة يمثل عنصرًا مهمًا في استقرار المنطقة بأكملها. فمصر، بما تمتلكه من ثقل سياسي وقدرات عسكرية وموقع استراتيجي، تمثل ركيزة أساسية في معادلات الأمن العربي، بينما تتمتع المملكة العربية السعودية بثقل اقتصادي وسياسي وديني يجعلها طرفًا محوريًا في العالمين العربي والإسلامي.

ومن هذا المنطلق، فإن أي تهديد لأمن المملكة لا يمكن النظر إليه باعتباره شأنًا محليًا محدود التأثير، كما أن استقرار مصر يظل جزءًا من معادلة التوازن الإقليمي.
فالدول الكبرى في محيطها لا تُقاس قوتها فقط بما تمتلكه من إمكانات، وإنما بقدرتها على حماية مصالحها، وبناء الشراكات، ومنع الأزمات من التحول إلى صراعات مفتوحة تستنزف مقدرات الشعوب.
وفي هذا السياق، يبرز الموقف المصري الداعم لأمن السعودية باعتباره رسالة سياسية مهمة تؤكد رفض المساس بسيادة الدول العربية أو استخدام التهديدات وسيلة لفرض الإرادة على المنطقة.
غير أن قوة هذا الموقف تظل مرتبطة بالتحرك المسؤول، والتنسيق المشترك، والالتزام بالقانون الدولي، والعمل على احتواء التصعيد قبل أن تتسع دوائر المواجهة.
«مسافة السكة».. من التعبير السياسي إلى معادلة الردع
إن القيمة الحقيقية لعبارة «مسافة السكة» لا تكمن في تفسيرها باعتبارها تعهدًا تلقائيًا باستخدام القوة في كل أزمة، بل في دلالتها على استعداد مصر للوقوف إلى جانب أشقائها، وفقًا لطبيعة التهديد، وحسابات الأمن القومي، والاتفاقات القائمة، ومتطلبات حماية الاستقرار الإقليمي.
فالمساندة بين الدول لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تشمل التنسيق السياسي والدبلوماسي، وتبادل المعلومات، والتعاون الأمني، ودعم القدرات الدفاعية،
والعمل المشترك على منع اتساع الصراعات. وفي أحيان كثيرة، يكون التحرك السياسي المبكر أكثر فاعلية في منع المواجهة من أي رد فعل متأخر، خصوصًا عندما تتشابك المصالح وتصبح كلفة التصعيد باهظة على الجميع.
ومن هنا، فإن وضوح الموقف المصري وتماسك العلاقات مع الرياض يمكن أن يساهما في تعزيز الردع السياسي، وإيصال رسالة بأن أمن المملكة ليس قضية معزولة عن محيطها العربي.
لكن الردع الحقيقي لا يقوم على التصريحات وحدها، وإنما على قوة المؤسسات، واستعداد الدول، ووحدة الرؤية، والقدرة على تحويل التضامن السياسي إلى تعاون عملي يحمي المصالح المشتركة.
ولا يمكن قراءة التطورات المحيطة بالسعودية بعيدًا عن الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر ومضيق باب المندب، فهذه الممرات البحرية تمثل شرايين رئيسية لحركة التجارة والطاقة بين مناطق العالم المختلفة.
وأي اضطراب ممتد في حركة الملاحة ينعكس على تكاليف الشحن والتأمين، وسلاسل الإمداد، وأسواق الطاقة، ومصالح الدول المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها مصر والسعودية.
وتزداد أهمية هذه المعادلة بالنسبة إلى مصر، التي يرتبط جزء مهم من مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية بانتظام الملاحة عبر قناة السويس والممرات البحرية المتصلة بها. ولذلك، فإن حماية أمن البحر الأحمر لا تمثل مصلحة منفردة لدولة بعينها،
بل مسؤولية مشتركة تتطلب التنسيق الإقليمي، واحترام القانون الدولي، ومنع تحويل الممرات التجارية إلى ساحات لتصفية الحسابات أو ممارسة الضغوط السياسية.
إن أي تهديد للملاحة يجب التعامل معه بجدية، لكن دون الانسياق وراء المبالغة أو إطلاق أحكام غير موثقة بشأن طبيعة المخططات والجهات المسؤولة عنها. فالمواجهة الفعالة تبدأ بتقييم دقيق للمخاطر، وتحديد مصادرها، وبناء استجابة متوازنة تحمي الأمن وتمنع اتساع دائرة الصراع.
إن التحديات التي تواجه المنطقة اليوم تفرض على الدول العربية تجاوز مرحلة الاكتفاء بإعلان التضامن إلى بناء آليات مستدامة للتعاون والتنسيق. فالتنمية الاقتصادية،
وحماية المنشآت الحيوية، وتأمين الممرات البحرية، ومكافحة التهديدات العابرة للحدود، كلها ملفات تحتاج إلى رؤية مشتركة وقدرات متكاملة.
كما أن الوعي الشعبي يمثل عنصرًا أساسيًا في حماية الأمن القومي، لأن الشائعات والمعلومات المضللة قد تزيد من حدة التوتر، وتفتح المجال أمام محاولات بث الفرقة بين الشعوب العربية.
وهنا تبرز مسؤولية الإعلام في تقديم المعلومات الموثوقة، وشرح المواقف السياسية بعيدًا عن المبالغة والانفعال، وتعزيز الثقة في المؤسسات دون إغفال حق الجمهور في المعرفة والمساءلة.
ومن الضروري أيضًا أن يظل التضامن العربي قائمًا على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها، وتسوية النزاعات بالوسائل السياسية والدبلوماسية كلما أمكن ذلك.
فالقوة الحقيقية لا تعني الذهاب إلى المواجهة في كل مرة، بل تعني امتلاك القدرة على حماية المصالح، وتقدير التوقيت المناسب، ومنع الخصوم من فرض معادلات تضر باستقرار الشعوب.
القاهرة والرياض.. تاريخ من المصالح ومسؤولية تجاه المستقبل
إن ما يجمع مصر والسعودية أكبر من أزمة عابرة أو موقف سياسي مؤقت؛ فهناك روابط تاريخية وشعبية واقتصادية، ومصالح استراتيجية تتطلب الحفاظ على مستوى متقدم من التنسيق والتشاور.
وكلما ازدادت التحديات الإقليمية، أصبحت الحاجة أكثر إلحاحًا إلى شراكة تقوم على الثقة المتبادلة، وتبادل الرؤى، والعمل على حماية استقرار المنطقة.
ومن هنا، فإن «مسافة السكة» تظل تعبيرًا عن معنى الأخوة وقت الشدائد، لكنها في الوقت نفسه تضع أمام الجميع مسؤولية تحويل هذا المعنى إلى سياسات واقعية، وشراكات فاعلة، ومواقف مدروسة تحمي الأمن العربي وتدعم فرص السلام والتنمية.
وفي تقديري، فإن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى شعوب المنطقة هي أن التضامن المصري السعودي ليس موجهًا ضد شعب أو دولة، وإنما يستهدف حماية السيادة والاستقرار، ورفض الاعتداءات، ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للصراعات.
الخلاصة: قد تتغير أدوات الصراع، وتتبدل خرائط النفوذ، وتظهر تحديات جديدة، لكن أمن المنطقة سيظل مرتبطًا بقدرة دولها على التعاون، وتغليب المصالح المشتركة، والابتعاد عن الحسابات الضيقة. وعندما نتحدث عن «مسافة السكة»،
فإننا لا نتحدث عن طريق تختصره المسافات الجغرافية وحدها، بل عن علاقة تختبرها المواقف، وتحميها المسؤولية، ويمنحها التاريخ فرصة متجددة لصناعة مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا للقاهرة والرياض وللمنطقة العربية بأسرها.
حفظ الله مصر حفظ الله الوطن حفظ الله الجيش ورحم الله شهدائنا الابرار من الجيش والشرطة المدنية








