بقلم حسن النجار.. مصر تقود معادلة التوازن وتحمي استقرار المنطقة وتصنع المستقبل
الكاتب الصحفي والمفكر السياسي ورئيس تحرير الوطن اليوم ومستشار الديوان العام للشؤون الدولية

بقلم: حسن النجار
في ظل الظروف الإقليمية والدولية شديدة التعقيد، وما تشهده المنطقة من حروب وصراعات عسكرية وتوترات استراتيجية تهدد أمن الدول واستقرار الشعوب، تبرز مصر باعتبارها دولة محورية لا يمكن تجاوز دورها في معادلات الأمن الإقليمي، خاصة في ظل قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي،
الذي يتعامل مع التحديات الراهنة برؤية تقوم على حماية الأمن القومي المصري، والحفاظ على استقرار المنطقة، وتجنب الانزلاق إلى مواجهات عسكرية لا تحمد عقباها.

ومن وجهة نظري، فإن الموقف المصري من الحروب الدائرة والتصعيد العسكري في المنطقة لا ينطلق من حسابات آنية أو ردود أفعال، وإنما يستند إلى رؤية استراتيجية واضحة،
عنوانها أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها العسكرية، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية مصالحها، وصيانة مقدرات شعبها، وامتلاك القرار الوطني المستقل، والتحرك السياسي والدبلوماسي في التوقيت المناسب.
تؤكد السياسة المصرية أن الحفاظ على السلام لا يعني التفريط في الحقوق، وأن رفض توسيع دائرة الصراعات لا يعني التخلي عن المسؤولية تجاه القضايا العربية والإقليمية.
فمصر تدرك أن أي مواجهة عسكرية واسعة في الشرق الأوسط ستكون لها تداعيات تتجاوز حدود الدول المتحاربة، وقد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة والملاحة، وحركة التجارة، والاستقرار الاجتماعي في المنطقة بأكملها.
ومن هنا تأتي أهمية الموقف المصري الداعي إلى وقف التصعيد، واحترام سيادة الدول، والاحتكام إلى الحلول السياسية والدبلوماسية، مع التمسك بحق مصر في حماية أمنها القومي وحدودها ومصالحها الاستراتيجية.
وفي القلب من هذه الرؤية تأتي القضية الفلسطينية، حيث تظل مصر متمسكة بضرورة وقف الحرب في غزة، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية،
ورفض محاولات تهجير الفلسطينيين من أرضهم، والعمل من أجل تسوية عادلة تضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية.
لقد أصبحت التحركات الخارجية للرئيس عبد الفتاح السيسي جزءًا مهمًا من إدارة التحديات التي تواجه الدولة المصرية، فالعلاقات مع القوى الدولية والإقليمية لا تقوم على محور واحد،
وإنما على تنويع الشراكات، وتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري، بما يحفظ استقلال القرار المصري ويخدم المصالح الوطنية.
وتكمن أهمية هذه التحركات في قدرة القاهرة على التواصل مع مختلف الأطراف الدولية، وفتح قنوات للحوار، وبناء مساحات مشتركة للتفاهم،
خاصة في الملفات التي تتشابك فيها المصالح الإقليمية والدولية، من القضية الفلسطينية إلى الأمن المائي، ومن أمن البحر الأحمر إلى مستقبل التعاون الاقتصادي والاستثماري.
ومن وجهة نظري، فإن مصر بقيادة الرئيس السيسي تتحرك وفق مبدأ واضح: لا خصومة دائمة مع القوى الدولية، ولا تبعية لأي طرف، وإنما علاقات متوازنة تحكمها المصالح المتبادلة واحترام السيادة الوطنية.
وفي الوقت الذي تواجه فيه المنطقة تحديات أمنية وسياسية غير مسبوقة، تواصل مصر العمل على تنفيذ مشروعاتها القومية والتنموية،
وافتتاح مشروعات جديدة في قطاعات البنية التحتية والصناعة والنقل والطاقة والصحة والإسكان، في رسالة تؤكد أن الدولة المصرية لم تتوقف عن البناء رغم الضغوط الاقتصادية والإقليمية.

إن افتتاح المشروعات ليس مجرد احتفال بوضع حجر أساس أو تشغيل منشأة جديدة، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة على تحويل الخطط إلى إنجازات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وتبقى الأولوية خلال المرحلة المقبلة لتعظيم العائد من هذه الاستثمارات، ورفع كفاءة الخدمات، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتخفيف الأعباء عن المواطنين.
وأرى أن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في إقامة مشروعات ضخمة، وإنما في ضمان استدامتها، وتحقيق مردود اقتصادي واجتماعي مباشر منها، وربطها باحتياجات المواطن، حتى يصبح البناء والتنمية وسيلة لتحسين مستوى المعيشة وليس مجرد أرقام في التقارير الرسمية.
إن حماية الأمن القومي المصري مسؤولية شاملة، لا تنفصل فيها قوة القوات المسلحة عن قوة الاقتصاد، ولا تنفصل فيه السياسة الخارجية عن تماسك الجبهة الداخلية.
فالدولة التي تمتلك جيشًا قويًا ومؤسسات وطنية راسخة واقتصادًا قادرًا على الإنتاج، تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والتعامل مع التحولات الدولية.
كما أن وعي المواطن يمثل خط الدفاع الأول عن الدولة، خاصة في زمن الحروب الإعلامية والشائعات ومحاولات بث الفوضى وإضعاف الثقة في المؤسسات.
ومن هنا تبرز أهمية المصارحة والشفافية، وتوفير المعلومات الدقيقة، وفتح المجال أمام النقاش المسؤول حول التحديات والقرارات التي تمس حياة المواطنين.
إن قراءة المشهد الإقليمي والدولي تؤكد أن مصر تتحرك وسط بيئة شديدة الصعوبة، لكنها تمتلك من ثقلها التاريخي والجغرافي والسياسي ما يمنحها قدرة مهمة على التأثير في مسارات الأحداث.
فالقاهرة ليست مجرد طرف يتابع ما يجري حوله، بل دولة تسعى إلى المشاركة في صياغة الحلول، وحماية أمن المنطقة، ودعم الاستقرار، وفتح آفاق جديدة للتعاون والتنمية.

ومن وجهة نظري، فإن الرئيس عبد الفتاح السيسي يواجه معادلة صعبة تتطلب تحقيق التوازن بين حماية الأمن القومي، ومواصلة التنمية، والحفاظ على علاقات مصر الدولية، والتعامل مع الضغوط الاقتصادية، دون التفريط في الثوابت الوطنية.
وتبقى الرسالة الأهم أن مصر لا تبحث عن الحرب، لكنها لا تتنازل عن حقها في حماية أمنها ومصالحها، ولا تتخلى عن دورها العربي والإقليمي، ولا توقف مسيرة البناء بسبب اضطراب المنطقة.
فمصر القوية ليست فقط مصر التي تحمي حدودها، وإنما مصر التي تبني اقتصادها، وتصون مؤسساتها، وتحافظ على قرارها المستقل، وتمنح شعبها الأمل في مستقبل أفضل.
وهذه هي المعادلة التي نراهن عليها: دولة تعرف قيمة السلام، وتمتلك أسباب القوة، وتواصل البناء مهما اشتدت التحديات.







