بقلم حسن النجار

بقلم حسن النجار.. نجوت من الموت لأجل ابنتيَّ ورسالة العمر وأهلي

الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار، رئيس تحرير جريدة الوطن اليوم، ومستشار في الشؤون السياسية الدولية.

لم يكن الحادث مجرد لحظة خطر مرت وانتهت، بل كان جرس إنذار أعادني إلى حقيقة الحياة، وجعلني أكثر إدراكًا لقيمة الأبناء وواجب الوفاء للأهل والناس.

هناك لحظات في حياة الإنسان لا تشبه غيرها، لحظات تتوقف عندها عقارب الزمن، وتتراجع أمامها كل الحسابات، ويجد الإنسان نفسه وجهًا لوجه أمام حقيقة واحدة: أن الحياة هبة من الله، وأن العمر لا يملكه إلا خالقه.

منذ عدة أيام، تعرضت لحادث أليم أثناء قيادتي سيارتي البسيطة، وكان الحادث من الخطورة بحيث أصبحت لحظات قليلة تفصل بين الحياة والموت. لم تكن المسألة مجرد حادث طريق، بل تجربة قاسية جعلتني أستشعر معنى النجاة، وأدرك أن الله سبحانه وتعالى كتب لي عمرًا جديدًا، ومنحني فرصة أخرى لمواصلة رسالتي في الحياة.

نجوت بفضل الله، لكنني لم أخرج من هذه التجربة كما دخلتها؛ فقد خرجت بقلب أكثر وعيًا، وإحساس أعمق بالمسؤولية، وإيمان أكبر بأن الإنسان لا يعيش لنفسه وحدها، بل يحمل في عنقه أمانات وحقوقًا وقلوبًا تنتظر وجوده.

وفي مقدمة هذه الأمانات ابنتاي الغاليتان، الدكتورة هيا حسن النجار والدكتورة هدير حسن النجار، قرة عيني وسر اعتزازي ومصدر قوتي بعد رحيل والدتهما.

لقد ترك رحيل والدتهما فراغًا إنسانيًا لا تستطيع الكلمات وصفه، ومسؤولية أصبحت أحملها وحدي بكل ما فيها من أعباء وتحديات. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الأبوة بالنسبة لي مجرد واجب، بل أصبحت عهدًا لا ينقطع، ورسالة أعيش من أجلها، وسببًا يدفعني إلى الصمود مهما اشتدت الظروف.

إن هيا وهدير ليستا مجرد ابنتين أحبهما، إنهما أغلى ما تبقى لي من دفء الأسرة، وأمانة في عنقي أمام الله، ومن أجلهما أتمسك بالحياة، وأحارب التعب، وأواجه الصعاب، وأتمنى أن أكون لهما الأب والسند والظهر الذي لا يميل.

فحين يفقد الإنسان شريك حياته، يدرك أن بعض المسؤوليات لا تحتمل التأجيل، وأن الأبناء لا يحتاجون إلى كلمات الحب وحدها، بل يحتاجون إلى أب حاضر، وسند حقيقي، وقلب لا يتخلى عنهم مهما كانت قسوة الأيام.

ولم تكن هذه التجربة اختبارًا لصحة الجسد وحدها، بل كانت اختبارًا لمعنى الرسالة التي اخترتها لنفسي تجاه أهلي وأبناء محافظتي الشرقية، وتجاه مسقط رأسي الذي أعتز بالانتماء إليه.

لقد آمنت دائمًا أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يشغله من مناصب أو بما يردده من شعارات، وإنما بما يقدمه من عمل، وما يتركه من أثر، وما يبذله من جهد في خدمة الناس والوقوف إلى جانبهم. ولذلك أعتبر خدمة أهلي وأبناء الشرقية واجبًا أعتز به، ومسؤولية إنسانية لا أتعامل معها باعتبارها فضلًا أو منّة على أحد.

وأقولها بكل وضوح: إن محبة الناس ليست كلمات تُقال، ولا علاقات تُبنى للمصالح، وإنما مواقف تظهر حقيقتها وقت الشدة، وقلوب تثبت صدقها عندما يحتاج الإنسان إلى من يسأل عنه ويقف بجواره.

ومن هنا، أتقدم بخالص الشكر وعظيم الامتنان لكل من زارني، أو اتصل بي، أو سأل عني، أو حرص على الاطمئنان على سلامتي عقب وقوع الحادث. لكل من جاء لمواسـاتي، ولكل من دعا لي بظهر الغيب، ولكل من عبّر عن محبته بكلمة صادقة أو موقف نبيل.

لقد كانت مشاعركم رسالة إنسانية غالية، أكدت لي أن ما يزرعه الإنسان من خير ومحبة لا يضيع، وأن المواقف الصادقة تظل محفورة في الذاكرة مهما مرت السنوات.

لن أنسى من سأل عني، ولن أنسى من جاء ليطمئن عليّ، ولن أنسى دعوة صادقة كانت سببًا في إدخال الطمأنينة إلى قلبي. فالمواقف لا تُنسى، وأصحاب القلوب الأصيلة لا تغيب أسماؤهم عن الذاكرة.

وأمام هذه التجربة، أجدني مطالبًا بأن أوجه رسالة إلى كل إنسان: لا تنتظروا لحظات الخطر حتى تدركوا قيمة من تحبون، ولا تجعلوا مشاغل الحياة تسرق منكم واجب السؤال والاهتمام، ولا تتأخروا في رد الجميل أو جبر الخواطر.

فالجمال الحقيقي ليس في المظهر، ولا في الصورة التي نحرص على تقديمها أمام الناس، ولا في الكلمات المنمقة التي قد تخفي وراءها قلوبًا خالية من الرحمة. الجمال الحقيقي في نقاء السريرة، وصدق المواقف، واحترام الآخرين، والوقوف بجوار المحتاج، وحفظ الود، وعدم الحكم على الناس من مظاهرهم.

لقد علمتني الحياة أن الإنسان قد يخسر أشياء كثيرة، لكنه لا ينبغي أن يخسر إنسانيته، وأن الظروف مهما اشتدت لا تبرر القسوة، وأن أجمل ما يتركه المرء خلفه ليس المال ولا المنصب، بل سيرة طيبة وقلوبًا تذكره بالخير.

أما أنا، فقد منحني الله فرصة جديدة، ولن أتعامل معها باعتبارها مجرد نجاة من حادث، بل باعتبارها مسؤولية أكبر تجاه ابنتيَّ، وتجاه أهلي وأبناء محافظتي، وتجاه كل إنسان يحتاج إلى كلمة حق أو موقف إنساني أو يد تمتد إليه بالخير.

وفي الختام، لا أملك إلا أن أرفع يدي إلى الله شاكرًا فضله ورحمته، وأن أسأله أن يحفظ ابنتيَّ هيا وهدير، وأن يرحم والدتهما رحمة واسعة، وأن يمنحني القوة لأظل سندًا لهما، وأن يقدرني على مواصلة خدمة أهلي وأبناء الشرقية، وأن يجزي كل من وقف بجانبي خير الجزاء.

الحمد لله الذي لم يجعل الحادث نهاية الحكاية، وكتب لي النجاة لأعود إلى ابنتيَّ، وأواصل رسالتي، وأرد بعضًا من جميل أهلي وناسي.

فقد تتغير نظرة الإنسان إلى الحياة بعد لحظة واحدة، لكنه حين ينجو لا يعود مطالبًا فقط بأن يعيش، بل بأن يجعل لما تبقى من عمره قيمة ومعنى وأثرًا طيبًا.

بقلم حسن النجار.. نجوت من الموت لأجل ابنتيَّ ورسالة العمر وأهلي
بقلم حسن النجار.. نجوت من الموت لأجل ابنتيَّ ورسالة العمر وأهلي

حسن النجار
الكاتب الصحفي والمفكر السياسي
رئيس تحرير جريدة الوطن اليوم

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى