الشؤون السياسية الدوليةبقلم حسن النجارمقالات ورأى

بقلم حسن النجار : فشل مفاوضات إسلام آباد يعكس أزمة ثقة عميقة بين واشنطن وطهران

حسن النجار الكاتب الصحفي والمفكر السياسي في الشؤؤن السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم  

الوطن اليوم الاخبارية – الشؤون السياسية الدولية – 16 ابريل 2026 

بقلم: حسن النجار 

فشل مفاوضات إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران لم يكن مفاجئاً، بل جاء كنتيجة متوقعة لمسار يغلب عليه منطق الصراع والضغط أكثر من روح التسوية الحقيقية. لم يكن التعثر ناتجاً عن بند واحد أو نقطة خلاف محدودة، وإنما عن عقلية كل طرف يسعى لانتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات دون تقديم ثمن سياسي متوازن.

دخلت الأطراف الطاولة في أجواء مشحونة بالتوتر الإقليمي الشديد، سواء على صعيد الملف النووي الإيراني، أو أمن الملاحة في مضيق هرمز، أو التصعيد العسكري في عدة جبهات. لم تكن إسلام آباد مجرد جولة تفاوض روتينية، بل محاولة عاجلة لاحتواء حريق قد يمتد ويهدد الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي.

مع ذلك، حمل كل طرف رؤية مختلفة تماماً عن مفهوم الحل. سعت الولايات المتحدة إلى ترجمة ضغوطها السياسية والعسكرية إلى تنازلات واضحة من إيران، خاصة في البرنامج النووي وتأمين الملاحة. في المقابل،

رفضت طهران أي اتفاق يُفسر كاستسلام، وطالبت بثمن واضح مقابل أي خطوة، سواء عبر ضمانات أمنية، أو تخفيف العقوبات، أو معالجة ملف الأصول المجمدة.

يكمن جوهر الفشل في أن كلا الطرفين أراد من الآخر التراجع أولاً، مع الرغبة في الخروج رابحاً كاملاً أو شبه كامل دون دفع التكلفة السياسية المقابلة. تحولت المفاوضات بذلك إلى ساحة جديدة لاختبار الإرادات، وامتداد للصراع بلغة دبلوماسية.

يختلف التفاوض الناجح عن منطق القوة؛ فالأول يعترف بأن لا أحد يحصل على كل ما يريد، لكنه يتيح تجنب الكارثة عبر تنازلات متبادلة وضمانات واضحة. أما الثاني فيقوم على الضغط حتى يذعن الخصم. كشفت جولة إسلام آباد أن بعض الأطراف تتحدث عن السلام بينما تفكر بعقلية الغلبة.

يعكس هذا الفشل أزمة أعمق: انعدام ثقة كامل، وغياب إرادة سياسية حقيقية للانتقال من حافة الحرب إلى بناء استقرار. عندما يكون هدف التفاوض تحسين الموقع في الصراع لا إنهاؤه، يصبح التعثر هو النتيجة الطبيعية، مع خطر الانفجار لاحقاً.

لا يمكن فصل ما حدث عن السياق الإقليمي المشتعل، حيث كان الوفدان يتفاوضان ليس فقط أمام بعضهما، بل أمام جمهورهما الداخلي وحلفائهما وتوازنات معقدة. ظلت أصوات الميدان حاضرة بقوة فوق الطاولة.

الأخطر أن الفشل يبقي المنطقة في منطقة رمادية خطيرة: لا سلام مستدام، ولا حرب شاملة فورية، بل هدنة هشة وتصعيد محتمل في أي لحظة. هذه المرحلة تخدع بالهدوء النسبي بينما كل شيء قابل للاشتعال بخطأ حسابي واحد.

في المستقبل القريب، يبدو السيناريو الأرجح استمرار الجمود المتوتر: تهدئة مؤقتة، قنوات اتصال غير مباشرة مفتوحة، وربما وساطات جديدة، لكن دون اختراق حاسم في القضايا الجوهرية. يظل احتمال التصعيد المحدود قائماً عبر رسائل ميدانية أو خطوات محسوبة.

يدرك الجميع كلفة الحرب الواسعة: الولايات المتحدة تعرف تأثيرها على الاقتصاد العالمي والطاقة، وإيران تدرك أثمانها الداخلية والإقليمية. لكن إدراك الكلفة لا يكفي؛ يحتاج الأمر إلى إرادة سياسية لتسوية عادلة ومتوازنة.

الدرس الأبرز من فشل إسلام آباد أن الأزمات الكبرى لا تُحل بكسر الإرادات. قد تنتزع الضغوط تنازلات مؤقتة، لكن الاستقرار الحقيقي لا يبنى على إذلال الخصم، بل على توازن يمنع الحرب ويفتح أبواب التفاهم.

السؤال الأساسي الآن: هل تسعى الأطراف فعلاً لتجنب الحرب، أم أن كل طرف يحاول تحميل الآخر مسؤولية الفشل لتبرير جولة تصعيد جديدة؟

الخلاصة:

فشلت مفاوضات إسلام آباد لأن الطاولة كانت أضيق من حجم الأزمة، وما سيطر عليها كان منطق لي الذراع لا منطق الحل. ما لم تنتقل الأطراف إلى عقلية تبادل الالتزامات والتنازلات المتبادلة،

فإن أي جولات قادمة قد تعيد إنتاج الفشل نفسه، مهما تغير المكان أو الوسيط. السلام لا يصنعه الجلوس فقط، بل الاستعداد الحقيقي لدفع ثمنه السياسي.

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى