حسن النجار يكتب: اتفاق إيران وأمريكا بين ضجيج التصريحات وحسابات الواقع
المفكر السياسي والكاتب الصحفي حسن النجار ورئيس تحرير الوطن اليوم والمختص في الشؤون الدولية
الوطن اليوم – 14 يونيو 2026 – شؤون سياسية
حسن النجار : يكتب
منذ نهاية شهر مارس الماضي، لم يتوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الحديث عن اقتراب التوصل إلى اتفاق مع إيران. فبحسب تحليل نشرته شبكة «سي إن إن»، كرر ترامب عشرات المرات أن المفاوضات تسير في اتجاه إيجابي وأن الاتفاق بات وشيكًا، إلا أن الواقع أثبت أن الطريق إلى التفاهم النهائي لا يزال أكثر تعقيدًا مما توحي به التصريحات السياسية.
هذه ليست المرة الأولى التي يعلن فيها ترامب قرب تحقيق اختراق دبلوماسي مع طهران، كما أنها ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها عن إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية أو تحقيق مكاسب استراتيجية ضدها. فقد أصبح الإعلان عن الانتصارات أو التفاهمات المرتقبة جزءًا من أسلوب سياسي يعتمد على صناعة الزخم الإعلامي قبل اكتمال النتائج على الأرض.
لكن المشهد الحالي يبدو مختلفًا نسبيًا عن المرات السابقة، ليس بسبب ارتفاع مستوى الثقة بين واشنطن وطهران، وإنما لأن تكلفة الفشل أصبحت أعلى بكثير بالنسبة لجميع الأطراف المعنية.
فالولايات المتحدة تسعى إلى اتفاق يضمن استقرار أسواق الطاقة العالمية ويحد من التوترات التي تهدد الملاحة في منطقة الخليج، كما يمنح ترامب فرصة لتقديم نفسه باعتباره الرئيس القادر على فرض التفاوض من موقع القوة. وفي المقابل،
تبحث إيران عن متنفس اقتصادي حقيقي من خلال تخفيف العقوبات وفتح قنوات جديدة للتجارة والاستثمار، مع الحفاظ على صورتها الداخلية وعدم الظهور بمظهر الطرف الذي خضع للضغوط.
أما إسرائيل، فتنظر بحذر إلى أي اتفاق محتمل، خشية أن يمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها وتعزيز قدراتها مستقبلاً. بينما تفضل دول الخليج وأوروبا والصين التوصل إلى تسوية تمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة عسكرية واسعة قد تؤدي إلى اضطرابات اقتصادية وأمنية عالمية.
لهذه الأسباب، تبدو فرص التوصل إلى تفاهم أكبر من أي وقت مضى، لكن ذلك لا يعني بالضرورة الوصول إلى اتفاق شامل ينهي عقودًا من الصراع والخلافات المتراكمة.
فالأقرب إلى الواقع هو اتفاق مرحلي أو تفاهم محدود يركز على خفض التوتر وضمان أمن الملاحة وتقديم بعض التسهيلات الاقتصادية المتبادلة، مع استمرار الخلافات الجوهرية حول البرنامج النووي وآليات الرقابة والتفتيش.
وتبقى القضايا الأكثر حساسية، مثل مستويات تخصيب اليورانيوم، ومخزون المواد النووية، وضمانات الأمن الإقليمي، ملفات معقدة لا يمكن حسمها عبر التصريحات الإعلامية أو الرسائل السياسية المتبادلة.

في النهاية، قد تنجح الأطراف في التوصل إلى اتفاق مؤقت يمنع انفجار الأزمة ويمنح الجميع فرصة لالتقاط الأنفاس. أما إذا سعى كل طرف إلى تقديم أي تفاهم باعتباره انتصارًا كاملًا أمام جمهوره الداخلي، فقد تتعثر المفاوضات مجددًا ونعود إلى دائرة التصعيد والتهديدات المتبادلة.
في الشرق الأوسط، لا تُقاس أهمية الاتفاقات بموعد توقيعها فقط، بل بقدرتها على الصمود والاستمرار بعد التوقيع، وهو الاختبار الحقيقي الذي سيحدد ما إذا كانت المنطقة مقبلة على مرحلة تهدئة أم على جولة جديدة من التوتر.






